ربط المعالجات الاقتصادية بالتجاذبات السياسية يعرّض لبنان للخطر
الأزمة في عمقها هي بين خطين سياسيين متعارضين
لا تزال المعارضة تتصرف رغم مشاركتها في الحكومة، التي ظلت تطالب بها اكثر من سنة، مصورة للرأي العام ان هذه "المشاركة الوطنية" هي الاساس حتى اذا ما تحققت تنتهي الازمة او تصبح على طريق الحل، وان هذه المشاركة لن تتحول مشاكسة داخل الحكومة كما يعتقد البعض.
وبعدما تم انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وفقا لاتفاق الدوحة، ظن الناس ان الازمة اللبنانية دخلت طريق الحل، لكن تبين من تصرفات المعارضة حتى الآن، ان هذه الازمة هي اعمق وابعد من انتخابات رئاسية ومن تشكيل حكومة، وانها ازمة بين نظرتين مختلفتين الى واقع لبنان. نظرة الموالاة ونظرة المعارضة، ولا سبيل للخروج من عمق هذه الازمة الا بعد الانتخابات النيابية المقبلة التي يعتبر الجميع ان نتائجها ستكون مفصلية وتضع لبنان على مفترق تجعله يسير في هذا الخط وهذا المشروع او في ذاك الخط او ذاك المشروع.
ومن الآن الى حين موعد اجراء هذه الانتخابات، هذا اذا جرت، ولم يعطلها بقاء السلاح خارج الشرعية وعدم التوصل الى معالجة جذرية له، فان حكومة الوحدة الوطنية قد تصبح حكومتين ويصح فيها قول الرئيس عمر كرامي في حديث له "انها تحمل بشائر السوء لاسباب عدة منها انها تضم كل التناقضات وعند اي طرح اساسي داخل مجلس الوزراء ستنصب المتاريس. لذا فانها ستكون حكومة عقيمة ولن تنتج شيئا وهي تاليا محدودة العمر. لذلك فان كل المشاكل الاساسية التي تتعلق بحياة الناس ومعيشتهم لن تجد حلا لها على يد هذه الحكومة". ويضيف: "ان علة العلل في هذا البلد هي الطائفية حيث ان وجود 18 طائفة انتج نظاما فريدا من نوعه بهدف الحفاظ على التوازن وعلى الكيان ويبقى لبنان موحدا بالشكل ذاته.
فمنذ الاستقلال حتى اليوم لم نستطع بناء دولة القانون والمؤسسات بل بنينا دولة المزرعة والعشائر والمحسوبيات واليوم دولة الطوائف وكانت الامور تحل عشائريا. واخترعنا الديموقراطية التوافقية وهي غير منطقية لان الديموقراطية اساسها الاكثرية والاقلية".
واخطر ما يفعله بعض وزراء المعارضة هو محاولة ربط المواضيع الاقتصادية والمالية بالمواضيع السياسية، في حين تقضي مصلحة البلاد بالفصل بينهما فلا يكون لحل موضوع سلاح "حزب الله" مثلا علاقة بمؤتمر باريس 3 وبالاصلاحات المطلوب تحقيقها في مقابل اقرار هذا المؤتمر المساعدات المالية للبنان. فاذا كان بعض السياسيين قد اساؤوا الى لبنان بتجاذباتهم تحقيقا لغاياتهم الشخصية وخدمة لمصالحهم الذاتية، فلا يحق لهم تخريبه باستخدام الوسائل الاقتصادية.
لقد نجح حاكم مصرف لبنان رياض سلامه بشهادة الهيئات الاقتصادية واصحاب القطاع المصرفي في تثبيت سياسة الاستقرار النقدي رغم مخالفة البعض اعتماد هذه السياسة. وقد تبين انهم كانوا على خطأ.
وحال الحاكم سلامه دون تأثر المصارف اللبنانية بأزمة ديون الرهن العقاري العالمية بفضل الخطوات والتدابير الاحترازية التي سبق واتخذها لا سيما التعميم الصادر عنه والذي حمى المصارف من الدخول في متاهات هذه الازمة. وقد تمكنت المصارف اللبنانية من تجنب الخسائر بسبب المبادرات الاستباقية الاحترازية الصارمة لمصرف لبنان ولجنة الرقابة بحيث استطاعت استيعاب الصدمات التي كان اكبرها اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن ثم حرب تموز 2006، ذلك ان قرارات مصرف لبنان جرى بناؤها على السياسة العامة التي تفضل الحفاظ على اموال المودعين وعلى رؤوس اموال المصارف. وكذلك الحفاظ على سلامة القطاع المصرفي.
لقد دعم صندوق النقد الدولي مؤتمر باريس 3 وتنفيذ استراتيجية خفض الدين التي ما زالت رهينة التطورات السياسية، وقد انجزت السلطات اللبنانية برنامج 2007، بنجاح اكبر مما هو متوقع وان تقريرا ماليا سوف يصدر عن تقدم العمل في تنفيذ مؤتمر باريس 3 ان لجهة تنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي او لجهة ترجمة التعهدات المالية للجهات التي شاركت في المؤتمر، وسوف تتحمل المعارضة المسؤولية اذا ما خلطت بين السياسة المالية والاقتصادية في البلاد والتجاذبات بين اهل السياسة والحكم بدوافع شخصية ومصلحية بعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية، او بدافع سياسة تصفية حسابات المرحلة السابقة فيخضع الاقتصاد بكل قطاعاته وملفاته العالقة لهذا التجاذب على غرار ما حصل طيلة الاعوام الثلاثة الماضية، ومن هذه الملفات اقرار مرسوم تصحيح الاجور بعدما اصطدم اقراره برفض وزير العمل توقيعه، واتخاذ قرار الخصخصة بالنسبة الى قطاعي الكهرباء والهاتف الخليوي، وهو قرار قد يثير الخلافات بعدما انتقلت حقيبتا الاتصالات والطاقة الى وزيري المعارضة جبران باسيل وآلان طابوريان اللذين عليهما حسم موقفهما من هذا الموضوع من موقع المسؤول وليس من موقع المنتقد والمزايد، وسيكون موقف وزراء المعارضة من المواضيع الاقتصادية والمالية والاجتماعية موضع اختبار لنياتهم بعدما اصبحوا في موقع المسؤولية، وهل سيظلون يمارسون سياسة تعطيل اتخاذ القرارات ام سياسة تفعيل تنفيذها؟
الى ذلك، فان رئيس جمعية المصارف فرنسوا باسيل يتوقع امكان تحقيق نمو اقتصادي جيد في السنة الحالية وذلك بدفع من حركة السياحة والاستثمارات المباشرة. اما وزير المال السابق جهاد ازعور فقد انهى عمله في الوزارة بوضع تقرير مفصل عن اعمالها خلال الفترة الممتدة من تموز 2005 الى ايار 2008 عرض فيه تقدم العمل في تنفيذ الرؤية الاصلاحية التي وضعتها الوزارة والاجراءات التطويرية التي نفذتها في مختلف اداراتها، كما تضمن التقرير عرضا لاهم الخطوات المبرمجة لفترة 2008 – 2010. ورغم مواجهة البلاد عقبات كبيرة وازمات سياسية وامنية متعددة خلال السنوات الثلاث المنصرمة، فان وزارة المال تمكنت من ادارة الاوضاع المالية بحكمة ومعالجة تداعيات هذه الاحداث على الاستقرار المالي والاقتصادي، وقد اتت جائزة الامم المتحدة للخدمة العامة للعام 2007 تشكل التقدير الدولي الارفع مستوى للتميز في القطاع العام ولتكافئ هذه الجهود المستمرة في وزارة المالية على مدى 15 عاما.
الواقع، ان هذا التقرير ارسى تقليدا جديدا في عملية الافصاح والمحاسبة الموضوعية لممارسة العمل العام، يتمثل في اجراء مراجعة دورية لبرنامج عمل اي وزارة، اذ على اي مسؤول يتولى الشأن العام ان يقدم برنامجه كي تتم على اساسه مراجعة تقدم العمل به، فيكون القاعدة الاساسية لاي عملية محاسبة ومراجعة وتقويم.
ان دراسات خبراء حول نتائج موازنة سنة 2007 اظهرت تحسنا ملموسا بخلاف ما كان يمكن توقعه في ظل الظروف التي سادت منذ صيف 2006 فقد انخفض العجز الكلي بنسبة 15 في المئة عنه في سنة 2006 وذلك نتيجة لنمو الايرادات بنسبة 20 في المئة رغم عدم اجراء اي زيادة في الضرائب والرسوم في مقابل ارتفاع الانفاق بنسبة 5 في المئة رغم ارتفاع تكلفة الطاقة. ويمكن القول ان الاقتصاد اللبناني هو على مفترق جديد في ظل مؤشرات المناعة ووضع اقليمي غير مستقر وكثرة التحديات، وابرزها ضرورة السير قدما في معالجة وضع المالية العامة من خلال تطبيق برنامج التصحيح المالي الذي التزمه لبنان في مؤتمر باريس 3 والافادة بسرعة من جميع ما اقر من دعم ومساعدات للبنان في ذلك المؤتمر.
