#adsense

البيان الوزاري وارتهان الشقيق من أجل الإضرار بالعدو

حجم الخط

البيان الوزاري وارتهان الشقيق من أجل الإضرار بالعدو!

نعرف جميعاً طبيعة الرهانات بلبنان والمنطقة، ومنذ اجتياح بيروت يوم 7 ـ 8/5/2008 وإلى أحداث طرابلس والبقاع. كما نعرف من تسريبات الصحف طبيعة النقاشات التي تدور بشأن البيان الوزاري، وملخصها فرض القول بالمقاومة (وسلاحها) من أجل "المقاومة" أو من أجل الشيفرة الجديدة التي رمزُها: السياسة الدفاعية!. وما كنتُ أرى مسوّغاً للكتابة في ذلك باعتبار الأمور واضحة، حتى حدثت المجزرة الأخيرة بطرابلس، وتحدث بالأمس النائب محمد رعد، وآخرون. النائب محمد رعد دعانا بصراحة للقبول بالترتيبات الجديدة بعد "الانتصار"، ليس على إسرائيل فقط بل على عملاء وأتباع النهج الأميركي الصهيوني في الداخل!. أما الترتيبات والتركيبات الإقليمية والدولية التي يتحدث عنها النائب رعد، فتشبه تلك التي كان الرئيس الراحل حافظ الأسد متفقاً عليها مع الأطراف الاقليمية والدولية: في مقابل ضبط ردود الفعل العربية والإسلامية على عدم حلّ القضية الفلسطينية، وعلى عدم إعادة الجولان، يكون الأسد وصياً على لبنان، دولة ومقاومة. ولذلك فقد فجع الرجل فجيعة شديدة عندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 دونما كلمة من جانب الولايات المتحدة عن استمرار الوصاية أو الجولان!.

وبدون طول سيرة: النائب محمد رعد يخبرنا أننا رهائن من جديد، وهذه المرة ليس من أجل الجولان أو فلسطين، بل من أجل التجاذبات بين الولايات المتحدة وإيران. وهكذا ففي الوقت الذي ما استطعنا التخلّص فيه بعد من وجهي العملة السورية الواحدة: الخضوع أو نشر الاضطراب، نقع في الفخّ الآخر: وصاية "حزب الله" وإيران، أو مواجهة استمرار القتل في صفوفنا، بعد الاستيلاء على القرارين الأمني والعسكري للنظام اللبناني، وقد كان اجتياح بيروت رمزاً لهما.

ولا أظن النائب وليد جنبلاط غافلاً عن ذلك، وبخاصة انه ذكر في حديثه بالأمس سوريا وإيران في المعرض نفسه. لكنني مستغربٌ بالفعل قوله بالعودة إلى ما لم نفعل في السنوات الأربع الماضية غير النضال من أجله: العروبة ولبنان وفلسطين. فالنهج الثوري باسم القومية العربية تارة، وباسم الإسلام تارة أخرى، وطوال العقود الأربعة الماضية، هو الذي أوصل إلى احتلال بيروت 5 مرات، مرة من جانب الكيان الصهيوني، وأربع مرات على التوالي من جانب الحركات والجهات الثورية العربية والإسلامية، ودائماً من أجل خطوط إمداد "المقاومة" أو أمنها.

هناك إذن بالفعل وكما قال عشرات المتحدثين من جانب "حزب الله" وحلفائه وأنصاره ـ نهجان في التعامل مع قضايا العرب والمسلمين الكبرى: النهج الثوري الذي ينتهي دائماً باحتلال مدننا أو ارتهانها لهذا الغرض أو ذاك، بما يعنيه ذلك من تدمير للتضامن الداخلي، وللتماسك، والعيش السياسي والانساني. وهناك النهج الآخر الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن عيش الناس واستقرارهم وصمودهم وسط الأزمات المتلاحقة، وانطلاقاً بالفعل من الانتماء الواحد، ومن أن المشروعات الكبرى والشاملة ـ بما في ذلك مشروع تحرير فلسطين ـ انما هي مشروعات الأمة، ولا يمكن التفكير فيها فضلاً عن تحقيقها بالحروب الأهلية، والانقسامات الداخلية، والارتهانات والطلائع الثورية الراديكالية أكانت باسم العروبة أو فلسطين أو الإسلام!.

لقد صدقنا "حزب الله" اخيراً وعلى لسان النائب رعد، عندما أوضح انه يريد بند "المقاومة" مستقلاً عن الدولة، في البيان الوزاري، لأن المسألة تتعلق بالترتيبات والتركيبات الجديدة التي وضعت بلدنا في خانة المحور الإيراني المواجه للمحور الأميركي. وقد حصل ذلك أمنياً وعسكرياً بدخول بيروت بالسلاح، وينبغي أن يحصل سياسياً في البيان العتيد، مثلما كان الإصرار السوري على "المسار الواحد" وليس "المصير الواحد" وحسب. وإن لم نعترف بذلك، فسيستمر الاضطراب في طرابلس، وقد تشتعل النار الكامنة في بيروت والبقاع من جديد.

ولا يرجع ذلك إلى مغادرتنا للعروبة وفلسطين، بل على العكس من ذلك، فبقاء العروبة هويةً وانتماءً، وبقاء فلسطين العربية، رهن بإصرارنا على المستقبل العربي للبنان وفلسطين وسوريا والعراق: الإصرار على الدولة القوية والقادرة، والتي تحفظ حياتها الوطنية ومصالحها، وقبل ذلك وبعده: حياة مواطنيها وأمنهم واستقرارهم، وعدم الخضوع أو التعلل بأن العين لا تقاوم المخرز، أو انها موجة وتمرّ. فقد سلّمنا بذلك من قبل عدة مرات، وما نجّانا الخضوع من القتل والاغتيال، ولا من اجتياحات أميركا وإسرائيل، واجتياحات حركاتنا الثورية القومية والإسلامية!.

قد تنتهي الأزمة الجديدة على توافق أو غلبة لأهل الوصاية والتراكيب الجديدة، والجديدة/القديمة. لكن الذي يظل حاضراً وقوياً في الوعي حاضراً ومستقبلاً: أن كل المخاوف التي من أجل تجنبها ناضلنا أو تنازلنا، قد وقعت، وأن الذي يبقى لحسابنا، حساب ضمائرنا وعقولنا وشرفنا وعروبتنا وإسلامنا، انه ليس في ذمتنا دمٌ لفلسطيني أو لبناني أو عربي!. وصدق رسول الله صلوات الله وسلامه عليه عندما قال: يأتي على الناس زمانٌ، يكون فيه المؤمن القابض على دينه كالقابض على الجمر. ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقولها المسلمون عند وقوع المصيبة.

وهي هذه المرة مزدوجة: مصيبة باستقواء الأعداء على الأمة، ومصيبة بانصراف حركات التحرير العربية والإسلامية بالاضافة الى مجابهة العدو، إلى ارتهان داخلها وشرذمته، وبزعم معاقبة العدو:
لا يلام الذئب في عدوانه
إن يكُ الراعي عدوّ الغنمِ

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل