لماذا يرفض "حزب الله" بياناً وزارياً على قياس خطاب القسم السليماني؟
وهل التلويح بالسلاح يُعطي "المقاومة" مشروعية أم يقضي عليها؟
تهديدات محمد رعد تُسقط فرضية أن 14 آذار… مهزومة
قبل خروج رئيس كتلة المقاومة النائب محمد رعد عن سقف "اتفاق الدوحة"، كانت عملية "جلد الذات" اليومية في قوى الرابع عشر من آذار، تجد أرضية خصبة، فغالبية اللبنانيين كانت تُسلّم بفرضية الخسارة.
ولكن بعدما تفوّه رعد بما تفوّه به، انقلبت الصورة وتحوّلت الفرضية إلى تساؤل الجاهل، ذلك أن الخاسر يخضع عادة ومن دون نقاش، إلى إرادة المنتصر. والمنتصر يفرض عادة، ومن دون زعيق، ما يراه مناسبا، على الخاسر. والخاسر لا يملك من المقوّمات ما يُعينه على إثارة غضب المنتصر. والمنتصر يستحيل أن يُهدّد الخاسر بالسلاح نفسه مرتين، في أقلّ من شهرين.
وبذلك، وبإطلالة واحدة أنجز رعد لقوى الرابع عشر من آذار ما كانت هي عاجزة عن إقناع جماهيرها الشعبية به، فمن سبق وروّج لانتصاره يظهر بأعصاب منهارة ويُطلق تهديدات على اليمين وعلى اليسار، ومن سبق له وصمت على فرضية الخسارة، يظهر بأعصاب حديدية مصرّاً على ثوابته وقناعاته وعلى الخروج من دوامة الأمر الواقع.
وبهذا المعنى، وللمرة الأولى، ينفض "اتفاق الدوحة" عنه كل الغبار الذي التصق به، بحيث بدا أنه، بالفعل، انتصار لمنطق المؤسسات على منطق "اولاد الشارع"، وبالتالي هو انتصار، ولو من دون قدرة على الاحتفال، لثوابت قوى الرابع عشر من آذار.
وهنا بالذات، يتّضح أن خروج محمد رعد عن الرتابة المشهور بها، أحدث صدمة في العقول، فأخرجها من النمطية التي كانت مستسلمة لها، مما أعانها على إعادة تحديد المواقع، من الزاوية الصحيحة.
وبهذا المعنى، هل ان إخراج رئاسة الجمهورية من حالة الفراغ، هو انتصار لشعارات 14 آذار أم هزيمة منيت بها؟، وهل النجاح في وصول الرئيس ميشال سليمان إلى القصر الجمهوري هو تجاوز للمرشح التوافقي الذي سمّته هذه القوى أم تأكيد على صحة خياراتها؟، وهل تمكين البلاد من تجاوز مرشحي "الاستسلام الوقائي" أمام "حزب الله" هو إنجاز يوضع في قائمة قوى الرابع عشر من آذار، أم أنه فوز لمن شلّوا بيروت مخيّرين اللبنانيين بين الفراغ المستدام ومرشحين من قامات "سورية" معروفة؟. وهل أخذ "حزب الله" للثلث المعطل في حكومة الدوحة، يعني تجيير الدولة لإرادة الدويلة، أم يعني تمكين الدولة بحضور الدويلة من توكيد الشعارات التي أدت سابقا إلى اعتكاف ومن ثم إلى استقالة ومن ثم إلى حصار ومن ثم إلى استعمال السلاح؟. وهل عودة "حزب الله" إلى التهديد باستعمال السلاح الذي سبق واستعمله في أيار الماضي بعد ثبوت عجزه عن الحصول بالسياسة على ما يبتغيه، هو نتاج ثقة بالأداء الديموقراطي أم وليد شعور بالضعف أمام فئة قوية في السياسة؟.
وتأسيسا على ذلك، إلى أين يعتقد "حزب الله" ان تهديداته التي أوكل أمر النطق بها إلى محمد رعد، يمكن أن توصله؟.
قد يكون في ذهنه، وفق أوساط سياسية بارزة، أن قوى الأكثرية يمكن أن "ترتجف" بمجرد تذكيرها بردة الفعل العسكرية على قرار مجلس الوزراء الخاص بشبكة الهاتف الخاصة به، فتتراجع وتُسلّم أمرها.
إلا أن هذا الاعتقاد، تُضيف هذه الأوساط، هو اعتقاد خاطئ لأنّ "حزب الله" أسقط أهمية سلاحه في الداخل، فهو على سبيل المثال، يسيطر عسكرياً على بيروت، فالجيش اللبناني، بعد الغزوة الأخيرة، منع المظاهر المسلّحة ولكنه لم يُحكم سيطرته عليها، وبالتالي فإن "حزب الله" إنما يُهدد باجتياح… ذاته.
وتضيف هذه الأوساط أن "حزب الله" سبق له وأيقظ الفتنة في البلاد، وهو يعرف أن "نبشه" حاليا للرماد سيعيد الجمر إلى التوقد فيحرقه، ناهيك أن المؤسسات الأمنية في البلاد، بدءا بالجيش اللبناني وصولا إلى قوى الأمن الداخلي، لم تعد قادرة على التصرف، وفق ما سبق لها وتصرفت به خلال الغزوة السابقة، لسبب بسيط أن قياداتها قامت بعمليات نقد ذاتي قاسية، وهي اعتذرت، مباشرة أو غير مباشرة، من الشعب اللبناني على سلوكياتها العاجزة حيناً والمتلكئة أحياناً.
وتقول هذه الأوساط إن "حزب الله" الذي برّر استعمال القوة بأن الحكومة السابقة التي اتخذت قراري المطار وشبكة الاتصالات إنما كانت حكومة فاقدة للشرعية، لا يستطيع حاليا إيجاد أي عذر له، للخروج من محظور الدوحة، بحيث وضع توقيعه على نص يتعهد فيه عدم استعمال السلاح لتحقيق مآرب سياسية، على اعتبار أن محاولة عدم الموافقة على إدراج النص الذي يريده حول "المقاومة الإسلامية في لبنان"، هو نتاج نقاش سياسي مستمر معه بقيادة مسيحيي الرابع عشر من آذار مدعومين باعتدال من مسلمي هذه الحركة اللبنانية السيادية، وليس وليد قرار منفرد، اتخذه فريق يتحكم بمجلس الوزراء أو باللجنة الوزارية.
وتشير هذه الأوساط إلى أن "حزب الله" وبخطاب واحد، وضع إنجاز تحرير الأسرى جانبا وأعاد إلى الواجهة الصورة الميليشياوية التي استعان بالأسرى لمحوها عن ذاته.
وتفيد الأوساط نفسها أن الحزب ارتكب خطأ فادحا من خلال ما تفوّه به محمد رعد، لأنه أوقف نقاشا كان ساريا بقوة داخل فريق الرابع عشر من آذار، حول وجوب تجاوز بند المقاومة بالتي هي أحسن وبأسرع ما يمكن، ولكنه بعد "موبقة" محمد رعد أوقف هذا النقاش، حتى بدا "الحمائم" صقورا، وذهبوا إلى حد عدم الاكتراث بمرور الأيام الثلاثين الفاصلة عن وجوب تقديم البيان الوزاري أمام المجلس النيابي، وسط استعداد ليس لإعادة الاستشارات النيابية وتسمية الرئيس فؤاد السنيورة مجددا فحسب، بل للاستشهاد أيضا، بحسب ما أكد وزير محسوب على الفئة المهدّدة.
على أي حال، وبعيدا من التهديد ومفاعيله العكسية، كيف يمكن أن يكون المخرج؟.
يقول مصدر مطلع على نقاشات لجنة البيان الوزاري أن المشكلة مع "حزب الله" تكمن في أنه لا يقبل "الحلول المثلى" التي تأتي لتعكس التوازنات في البلاد وفي الحكومة الحالية، فهو يظن أن "الثلث المعطل" يُعطيه قدرة السيطرة على الأكثرية، كما هي حال "شريعة الغاب" حيث الأقلية تستعين بالبندقية لتتحكم بقرار الأكثرية.
ويكشف هذا المصدر أن "حزب الله" الذي استاء أمينه العام السيد حسن نصرالله أمام الجماهير التي كانت تحتفل بالإفراج عن الأسرى من إلصاق تهمة رفض مضمون خطاب القسم به، يتّخذ في مجلس الوزراء موقفا سلبيا من اقتراح تمّ تقديمه إليه، مرارا وتكرارا، يقضي باعتماد ما ذهب إليه خطاب القسم، ليس بالنسبة إلى المقاومة فحسب، بل إلى كل المسائل الأخرى ايضاً.
ويفيد المصدر أن خطاب القسم يوازي بين مرحلة استعادة الحقوق التي يغتصبها العدو الإسرائيلي ومرحلة حماية لبنان من أي عدوان إسرائيلي، بحيث يؤكد أن "بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال ومواصلة العدو لتهديداته وخروقه للسيادة (وهذه كلها حجج "حزب الله") يحتّم علينا إستراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازمة مع حوار هادئ للاستفادة من طاقات المقاومة، خدمة لهذه الإستراتيجية، فلا تستهلك إنجازاتها في صراعات داخلية، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطني".
ويتساءل المصدر: "لماذا يرفض "حزب الله" هذا الطرح المتوازن الذي يحفظ دور الدولة من جهة أولى ومثالية المقاومة من جهة ثانية؟".
ثمة من يجيب عن هذا التساؤل قائلاً: "يبدو أن "حزب الله" مدعو إلى صرف رصيده في الصراعات الداخلية، لأن المواقف الإيرانية الأخيرة لا تتكلم سوى عن قدرة طهران على فرض الاستقرار في الداخل اللبناني، وتاليا فإن مهمة "حزب الله" حاليا ليست في مواجهة إسرائيل بل في إثارة الاضطرابات الداخلية التي يريد المفاوضون الإيرانيون أن يبيعوها في سوق المقايضة على الملف النووي، ولهذا السبب فإن الحزب على تخوم انتهاء مهلة الأسبوعين المعطاة لإيران لتقديم جواب على سلة الحوافز الدولية، يرفع الصوت عالياً مذكراً بمعادلة سلاحه في الداخل اللبناني".
