الكلمة السحرية الضائعة!
بعد عشر جلسات من حوار الطرشان حول العلاقة بين الدولة والمقاومة، بات من الضروري القول ان ما فعلته لجنة الصياغة الوزارية هو مجرد تمرين فاشل للبحث عن الكلمة الضائعة في شبكة متقاطعة من التوجس والظنون والمخاوف والتحسب والحساسيات المتقابلة وانعدام الثقة. وهو ما يدفعنا الى القول ان باطل الاباطيل هو الحديث عن التفاهم والاتفاق وحكومة الوحدة الوطنية.
واي وحدة وطنية ايها السادة الكرام، من دون استثناء. تلك التي تقبل من حيث المبدأ كل هذه المشادات اللغوية والتناقضات الصارخة في النيات، والتي تجيز استمرار هذا التناقض الجذري العميق بين الاكثرية والمعارضة، وقد تحوّل منطلقا لتوسيع الهوة بين اللبنانيين في وقت لا يرف جفن لاحد من السياسيين والزعماء عندما يتحدث عن وحدة الوطن والمصير؟!
❑ ❑ ❑
دعونا نصوّر الواقع بأسلوب صريح وواضح:
❑ اولا: لا الدولة قابلة او يجوز ان تقبل بان تنتهي حدودها عندما تبدأ حدود المقاومة، وهو ما يجعل المقاومة دولة داخل الدولة او الى جانبها كي لا نقول فوقها، وفي هذه الحال سلام على الدولة.
❑ ثانيا: لا المقاومة قابلة او يجوز ان تقبل بان تقوم الدولة بإلغاء حدودها ومصادرتها او صرفها من "الخدمة"، ما لم تصر الدولة شكلا ومضمونا مقاومة تطمئن "حزب الله".
هذا الخلاف ليس جديدا. كان موجودا منذ بداية المحاولات العرجاء لعودة الدولة بعد اتفاق الطائف. كثيرون يتذكرون الآن الجدال المرير حول صيغة "هانوي ام هونغ كونغ" التي طالما طُرحت لتنظيم العلاقة بين الدولة والمقاومة. كانت الدولة تتعثر لأسباب كثيرة داخلية وخارجية تتصل تحديدا بالادارة الخارجية لها. وكانت المقاومة تكبر وخصوصا بعد انتصارات توّجها الانسحاب الاسرائيلي المهزوم من الجنوب.
بعد انقسام اللبنانيين بين 8 آذار و14 آذار وقع طلاق مكنون وغير معلن بينهم لاسباب كثيرة تغلب تقاطعاتها الاقليمية والدولية على الخلافات الداخلية التي وصلت اخيرا الى الاصطباغ بالدم، ويا للمرارة!
❑ ❑ ❑
الآن مطلوب العثور على "الكلمة الضائعة السحرية" وذلك في اطار صياغة تستطيع ترسيم الحدود بين الدولة والمقاومة من دون اي انتقاص او افتئات بحق الدولة الشرعي، ومن دون اي ايحاء ان يكون للدولة حق مشروع في ان تكون مظلة المقاومة كما يريد "حزب الله"!
الدولة دولة عند حدودها. والمقاومة مقاومة عند حرية تحركها وعملها بانتظار الاتفاق على الاستراتيجيا الدفاعية. ولكن هذا لا يعني اطلاقا ان الدولة يمكن ان تكون دولة فعلا. والخلافات حول الفاصلة والنقطة في البيان الوزاري تؤكد منذ الآن استحالة التوصل الى تفاهم على الاستراتيجيا الدفاعية.
مشكلة؟
لا بل مشكلة عويصة ومصيرية. لن نتوقف عند القصف بالكلمات والتلويح بالقوة ولكأن الوحدة الوطنية يمكن ان تكون نتيجة طبيعية لتكسير اذرع الشركاء في هذه الوحدة. ولكن الامر يتأكد مرة تلو مرة، ذلك اننا مدعوون الى تقرير "اي لبنان نريد؟".
لبنان تحت مظلة المقاومة وفق ما يقرره "حزب الله"، او لبنان الذي يظلل المقاومة بما يحفظ قواعد الدولة ويصون جذوة المقاومة في اطار وطني شامل؟
❑ ❑ ❑
وسط كل هذا دعونا نتفق على امور بديهية:
❑ اولا: ان النصوص لا تصنع وحدة وطنية او تقيم تفاهما حقيقيا. والانشاء العربي لا يؤسس لعلاقات شراكة صادقة ومستقرة بين اللبنانيين. وان الصياغة التي تشير الى العلاقة بين الدولة والمقاومة ليست نصا منزلا لا يمكن تجاوزه.
❑ ثانيا: ان وجود "الثلث الضامن" داخل الحكومة، وهي سلطة القرار السياسي اللبناني، يمكن او يجب ان يبعث على طمأنينة "حزب الله" اكثر من النصوص والبيانات الوزارية.
❑ ثالثا: ليس في امكان اللغة العربية، رغم ما فيها من المجاز والتورية والاستدلال والعطف والتضمين، ان توفر عبارة "الادغام البناء" الذي يمكن ان يجعل لبنان تحت مظلتين:
مظلة المقاومة الحرة والمستقلة وايضا الشريكة في الدولة. ومظلة الدولة المسؤولة ولو كانت في موقع آخر من يعلم.
❑ رابعا: هناك مظلة واحدة كان يمكن ان تظلل الدولة والمقاومة، هي الثقة الحقيقية والوحدة الفعلية بين اللبنانيين. ولكن من اين الثقة والوحدة ولبنان ساحة لصراع الآخرين وحروبهم منذ زمن بعيد، والآن "الصراع" الاميركي والايراني قائم على ارضه وباعلانات وتصريحات واضحة؟
❑ ❑ ❑
في اي حال، إذا كان وزير الاعلام طارق متري قد اعلن بعد الجلسة التاسعة التي عقدها السادة الوزراء في لجنة الصياغة: "ان هناك تقدما في فهم بعضنا اكثر وفي تفهم الهواجس المتبادلة"، فكم يحتاج المواطنون العاديون في لبنان السعيد، من الوقت للتفاهم بعد كل ما عرفوه من المحبة الطافحة بين زعمائهم وفي وقت تتعرض المنطقة كلها لعاصفة بغيضة من التأجيج الطائفي والتفتيت المذهبي؟
قال حكومة وحدة وطنية قال!
