غياب المفاوضات السورية الاسرائيلية والتحقيقات في اغتيال مغنية عن خطاب حزب الله
تجنب الإحراج مع النظام السوري والتداعيات السلبية على علاقات الطرفين
يتجنب "حزب الله" التطرق في خطابه السياسي الموجه باستمرار باتجاه الداخل اللبناني الى مسألتين مهمتين، الأولى، مصير التحقيقات السورية في جريمة اغتيال القيادي البارز في الحزب عماد مغنية في دمشق في شهر شباط الماضي، والثانية مسألة المفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة، نظراً لحساسية تناول هاتين المسألتين وتأثيرهما المباشر على علاقة الحزب الاستراتيجية بالنظام السوري وعلى البنية التنظيمية للحزب نفسه·
فبالنسبة الى مسألة جريمة اغتيال مغنية، لم يعد أي مسؤول يتطرق الى المطالبة بمعرفة نتائج التحقيقات التي اجرتها السلطات السورية المختصة بخصوص هذه الجريمة التي وقعت في قلب دمشق، على الرغم من الوعد الذي قطعه اكثر من قيادي في الحزب بمعرفة من ارتكب هذه الجريمة، ولكن أصبح الصمت المطبق هو السائد، في حين أن قضايا ومسائل أقل اهمية بكثير من هذه الجريمة، كانت موضع إلحاح ومطالبة متواصلة من قبل حزب الله، كما حصل مثلاً لمعرفة مصير التحقيقات التي جرت في شأن الحوادث الأمنية التي حصلت في منطقة مار مخايل مطلع السنة الحالية، ولم تهدأ حملة الحزب السياسية المتواصلة، حتى معرفة نتائج التحقيقات الأمنية بها، ولكن يبدو ان هناك حساسية كبيرة تجاه اثارة موضوع التحقيقات في جريمة كبيرة، كجريمة اغتيال مغنية، يسعى الحزب الى تجنب الخوض فيها في الوقت الحاضر على الأقل مع النظام السوري، لاستبعاد أي تداعيات سلبية اضافية على العلاقات بين الطرفين منذ حدوث هذه الجريمة·
ويلاحظ ايضاً في المقابل، التزام سوري بالصمت المطبق تجاه التحقيقات التي أجرتها السلطات السورية المختصة في هذه الجريمة التي وقعت داخل المنطقة الأمنية الرسمية السورية في قلب العاصمة السورية، على الرغم من تعهد وزير الخارجية السوري وليد المعلم يومئذ، بالإعلان عن نتائج التحقيقات في غضون ايام معدودة، ولكن مرت قرابة الستة اشهر على حدوث هذه الجريمة البارزة، ولم يتطرق أي مسؤول سوري الى هذه التحقيقات، لا من قريب ولا من بعيد، وكأن هذه التحقيقات لم تحصل، وأصبحت الجريمة طي الكتمان لاعتبارات عديدة، ليس من السهل الكشف عنها، إما تجنباً للإحراج في حال وجود تقصير أمني ما، أو لاستبعاد أي تداعيات سلبية ضارة· أما المسألة الثانية فهي لا تقل اهمية عن الأولى، وتتعلق بمسار المفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة
والمتواصلة منذ ما قبل حرب تموز الاسرائيلية على لبنان قبل سنتين، ولا تزال بوتيرة متسارعة برعاية تركية، وقطعت شوطاً لا بأس به للتهيئة للمفاوضات المباشرة بين البلدين·
فهذه المسألة محذوفة كلياً من الخطاب السياسي للحزب، على الرغم من أهميتها واستئثارها بحيّز كبير من الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي، وتأثيرها على الوضع في منطقة الشرق الأوسط عموماً·
ويلاحظ بوضوح، وجود حساسية ظاهرة تجاه هذه المسألة، التي تعكس تبايناً واضحاً بين ما يسعى اليه النظام السوري من خلال السير في هذه المفاوضات، وبين توجه حزب الله ورؤيته منها، في ضوء التعارض الواضح بين الطرفين في التعاطي مع هذه المسألة، التي اذا استمرت علي وتيرتها الحالية وفي الاتجاه المرسوم لها، الى ايجاد واقع جديد في المنطقة، لا يتلاءم مع طموحات الحزب ومخططاته التي تتناغم في العديد من جوانبها مع مصالح ايران في المنطقة، كما أعلن ذلك أكثر من مسؤول إيراني علناً، كان آخرهم نائب الرئيس الإيراني منذ أيام معدودة·
فاستمرار المفاوضات السورية – الاسرائيلية بشكل غير مباشر، كما هو معلن، ولكن بوتيرة متسارعة وما حققته من تقدم ملموس، كما كشف عن ذلك أكثر من مسؤول تركي مطلع على مجرى هذه المفاوضات عن كثب، أدي الى خلق مناخ جديد بين البلدين، على الرغم من التكتم حول أبعادها وتأثيراتها المستقبلية على مجرى الصراع الدائر في المنطقة ولبنان من ضمنها بالطبع·
فالتقدم في المفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة، يعني الاتجاه خطوة الى الأمام باتجاه تحقيق السلام، وهو ما يرتب التزامات على الطرفين، قد تحد من استمرار سبل ووسائل المواجهة مع اسرائيل في المرحلة المقبلة· لذلك، يتجنب حزب الله تناول مسألة المفاوضات السورية – الاسرائيلية، لا من قريب ولا من بعيد، ويفضل التغاضي عنها، لأن اظهار معارضته لها، يعني معارضة توجه النظام السوري، مع ما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية على علاقات الطرفين، وتأييدها يتعارض مع نهج الحزب وتوجهه وممارساته·
ويفضل الحزب أن يركز خطابه السياسي على الواقع الداخلي، ويسعى لتوظيف امكاناته الأمنية والعسكرية، لتشريع مراكز نفوذه داخل المؤسسات في السلطة، استباقاً للمستجدات والاستحقاقات الاقليمية والدولية المتسارعة في المرحلة المقبلة، والتي تحمل معها متغيرات عديدة، بدأت معالمها تتكشف مع تسارع الجهود المبذولة لحل الملفات الساخنة سلماً، إن كان على صعيد الملف النووي أو مسار المفاوضات السورية – الاسرائيلية المتواصلة·
