Site icon Lebanese Forces Official Website

قصة قديس: القديس شربل (الحلقة الثامنة)

قصة قديس: القديس شربل
اقتباس ربيع يعقوب (الحلقة الثامنة)

مجنون يدعى جبرايل سابا من اهمج اشتد عليه المرض فأصبح خطراً على حياته وعلى الآخرين. فقرر بعض اهالي القرية الذهاب به الى محبسة عنايا. بذلوا جهداً كبيراً في اقتياده وحين بلغوا باب المحبسة ، عبثاً حاولوا ادخاله اليها. "عندئذ يضيف بطرس طنوس موسى: قصدت الأب شربل واعلمته بالأمر، فأسرع وأشار الى المجنون ان يتبعه الى الكنيسة، فأطاع دون ان ينبس بكلمة، لكنه ظل غير محتشم فقال له الأب شربل: "ركاع منيح وتكتف."فجثا مكتوف اليدين ساكناً كالملاك. حينئذ قرأ الحبيس الإنجيل على رأسه ثم اشار الينا بأن نعيده الى بيته. عدنا به هادئاً صامتاً خجلاً. كان قد شفي تماماً. فيما بعد سافر الى اميركا وتزوج ورزق اطفالاً. "

اشارة لطيفة وبضع كلمات، ويعود الى رجل عقله! قراءة الإنجيل على رأسه كانت كافية لتعيده انساناً عاقلاً.

الى شفاعة القديسين بطرس وبولس، المكرسة على اسمهما المحبسة، كان شربل يعزو ما يجري على يديه من خوارق، حاذياً في ذلك حذو القديسين جميعاً، اولئك البنفسجات اليانعات في حقل التواضع المسيحي.

وراء المكان والزمان

يروي لنا الأب مكاريوس رفيق شربل الحادث التالي:

"مرة تلقى الأب شربل امراً من رئيسه بالذهاب مع رسولين الى فتوح كسروان للصلاة على مريض. في نصف الطريق توقف فجأة وجثا، واشار الى رفيقه ان يحذو حذوه قائلاً:"صلي عن نفس المريض، الله يرحمو". ثم استأذن معتذراً وعاد الى محبسته. اتضح بعدئذ، ان المريض توفي ساعة جثا الأب شربل."

من ذاتية القداسة ان تجعلنا نعيش في جو معجزة مستمرة. القديس يجعل العالم الذي يعيش فيه يغوص في حضور الله والشعور بوجوده. لم يقترب احد من شربل إلا احس بهذا الحضور العجيب. فالحبيس اذن لا يفر من العالم ، بل وحده يستطيع بلوغ اعماقه ولا يحيا في الظواهر.

عزيمة صامدة

لقد اصبح شربل بفضل امانته الكلية للقانون. صاحب ارادة متشددة. طواعيته للنعمة اكسبته مناعة عجيبة بلغت حد البطولة. امانة لم تعرف الوهن طيلة سبع واربعين سنة قضاها في الرهبانية. ما برح يتعمق، مرتعداً في هذا الكلام من القانون:"ان الحبيس الذي لا يحقق تقدماً في الحياة النسكية، بل يستسلم الى الكسل والأفكار الباطلة، عليه ان يعود الى الدير، ان حسن ذلك في عين رئيسه."

هذا الشيخ الجليل كاد يصل الى السبعين. انه من فرط التعب والسهر والصوم والإماتات المتنوعة،يبدو شبحاً عائداً من معركة ضروس. انما قوة الله تظهر في الضعف. بها تتجلى ارادة شربل حية، فتية مليئة بالآمال،هدامة لجميع ما تبقى في ذاته من رواسب الخطيئة ودوافع الشر.

يقول الأخ الياس المهريني :"كنت تقرأ في وجهه انعكاسات التقوى ومحبة الله في كل آن، لا سيما في وقت الصلاة. كان نور سماوي يضيء وجهه لأن الرب قد اصبح قوته وغناه وفرحه الدائم."

وفاة وميلاد

طيلة التسعة والثلاثين عاماً من حياته الكهنوتية، ما انفك شربل يحتفل بقداسه في الساعة الحادية عشرة، جاعلاً منه محور نهاره ومرتكز حياته. قبله يقضي الوقت بالإستعداد، وبعده بالشكران. مكانه المفضل امام بيت القربان الأقدس حيث يبقى مستغرقاً في تأمل عميق، مناجياً يسوع في سره الأعظم.

في تساعية الميلاد، خلال قداسه الأخير، عند رفعة كأس القربان، قرع بابه رسول الموت. زاره في احرج هنيهات العمر، في وقت كان يتلو فيه اروع ابتهال في اسمى عمل على الأرض. ابتهال يرفعه الى الآب وقت رفع الأسرار، تابع ترديده على فراش الموت:" يا ابا الحق، هوذا ابنك ذبيحة ترضيك. فاقبل من مات عني واغفر لي. هذا القربان تقبله من يدي، وارض عني، ولا تذكر خطايا اقترفتها امام عظمتك…

في السادس عشر من كانون الأول ،عام 1898،الساعة الحادية عشرة. شربل بأعوامه السبعين، جاث في الكنيسة منذ ساعات. ها هو ينهض مرتعشاً من صقيع . ريح الكوانين تعصف والهواء يقذف الزمهرير من نافذة المحبسة وبابيها الخاويين. اعضاء الحبيس ترتجف حتى العظام. يهم بارتداء حلة القداس، غارقاً في صلاته العقلية.

الى المذبح يصعد كما المسيح الى الجلجلة. عقله وقلبه وحواسه، كل كيانه يغمره شعور واحد: الفداء بالصليب، الفداء الذي يسهم فيه بسر القداس. في مدى عينيه وملء روحه فكرة انضجتها اربعون سنة في الكهنوت: ذبيحة الجلجلة تتجدد، تستمر،تتمدد في ذبيحة القداس، فتشمل جميع اعضاء الكنيسة في كل زمان ومكان.

سيشترك مرة اخرى في عمل المسيح الفدائي. يصعد بقلب مضطرم لكي يموت مع المسيح القربان. عند التقديس يمسك خبز التقدمة بصعوبة لشدة الصقيع. فجأة يشعر بجسده يتجمد حتى مفرق الروح والعظام. لاحظ رفيقه، الأب مكاريوس، عجزه عن اكمال قداسه، فأعانه على ترك المذبح ليرتاح قليلاً. انها السقطة الأولى على طريق الجلجلة! بعدها بقليل، يعود الحبيس الى المذبح ويتابع القداس. يلفظ الكلام الجوهري، ويصل الى رفعة الأسرار الأولى. رفع الكأس يعلوه القربان وهو يتلو: يا ابا الحق… لكن الداء يعتريه مجدداً بقوة فيعجزه عن المتابعة. لبث كأنه مسمر في جموده، معلقاً عينيه بأسرار الفادي. تقدم الأب مكاريوس محاولاً نزع الكأس والقربان من يديه، فتكمشتا بهما."تركلي الكاس، عطيني القربان."قال الأب مكاريوس.

بذل جهده لأخذهما وأنزاله عن المذبح واقتياده الى قليته.هذه سقطة اخرى تحت الصليب: لقد اصيب الحبيس بالفالج. ها هو طيلة ثمانية ايام، يقاسي آلام الإحتضار هادئاً ساكناً على الرغم من الاوجاع. احضر له حساء معد بسمن لتقويته، ما ان شم رائحة هذه المادة التي حرم نفسه منها طول حياته الرهبانية، حتى رد القصعة بلطف: اراد ان يظل اميناً لقانونه حتى الموت.

في نزاعه، لم يبرح، ما دام قادراً على تحريك شفتيه ولسانه، يتابع قداسه. انه يردد الصلاة التي لم يستطع ان يكملها في القداس:يا ابا الحق ، هوذا ابنك ذبيحة ترضيك!… عن اي ذبيحة يعبر الكلام؟ ذبيحة المسيح مصلوباً، ام ذبيحة شربل منازعاً؟ ليس بالحقيقة سوى ذبيحة واحدة هي ذبيحة يسوع مائتاً على الصليب! آلام البشر عبر جميع الأجيال لا معنى لها إلا باتحادها بهذه الذبيحة. مع هذه الكلمات طارت روح شربل ،حرة طلبقة عائدة الى ديار الآب . كان ذلك عشية عيد الميلاد ، في الرابع والعشرين من كانون الأول عام 1898.

قداس الأب شربل الأخير اشترك فيه فضلاً عن رفيقه الأب مكاريوس، بعض نسوة من خلال شبكة باب الكنيسة الخارجي. اما وفاته فقد حضرها الأب مكاريوس والأخ بطرس المشمشاني، والخوري مخايل ابي رميا.مشهد يذكر بمأساة الجلجلة…

آخر حلة له يقول الخوري مخايل المذكور كانت مني انا الحقير، لأن الأب مكاريوس من عظم حزنه وبكائه على فقد رفيقه،ولمناسبة وجودي هناك ابى التقدم اليه وظل بعيداً واغمي عليه من شدة البكاء.

حمل الجثمان الى كنيسة المحبسة. شق بعض رهبان الدير طريقاً في الثلج واتوا يصلون حوله. كانوا يتناوبون السهر عليه. يهرع كل بدوره الى الإصطلاء بالنار.يقولون: اح شو هالبرد القاسي! ليلي بس ما منقدر نقعد بالكنيسي من الصقعا. كيف قدر هالحبيس يعيش هون 23 سني، ساجد متل التمثال، لا يتدفا ع نار ولا يلبس قطعة تياب صوف؟! موت شربل لم يكن النهاية بالطبع بل كان بداية لمرحلة تدلنا على مدى الطهر الذي بلغه شربل في حياته النسكية.

Exit mobile version