Site icon Lebanese Forces Official Website

نزع السلاح إقتراح جدي؟

"نزع السلاح" إقتراح جدي؟

اقترح البعض عبر وسائل الاعلام بعد العمليات العسكرية التي قامت بها الجهة المعروفة في العاصمة بيروت في السابع من ايار الماضي جعل هذه المدينة التي ربما يبلغ عدد سكانها ربع عدد اللبنانيين، مع المقيمين في لبنان، منزوعة السلاح، معتبراً ان من شأن ذلك اشاعة الاستقرار فيها وعودتها الى احضان سلطة الدولة والقانون.

ومع احترامنا لهذا الاقتراح فإننا نعتقد انه غير جدي. اما اذا كان اصحابه جديين فأننا نعتبره سطحياً غير قابل للتنفيذ وقاصراً في الوقت نفسه عن توفير الامان والأمن اللذين ينشدهما "البيارتة" والذين صاروا "بيارتة" بفعل الاقامة والهجرة من الريف الى المدينة. فهو اولاً يميز اهل بيروت عن سائر اللبنانيين اذ يعتبر اراحتهم امنياً واجباً في حين ان الآخرين يستطيعون ان يبقوا تحت رحمة السلاح والمسلحين. علما ان عدد ضحايا السلاح، سواء أكان فردياً ام "جماعياً" كي لا نستعمل كلمة اخرى، وعدد ضحايا المسلحين سواء أكانوا "فلتانين" ام تابعين لاجهزة او أحزاب او زعامات، قد يكون اكبر من عددها في العاصمة وحدها. وهذا التمييز لا يجوز. وهو ثانياً يوحي ان هناك قدرة عند "الدولة" على نزع السلاح وإن في منطقة واحدة من لبنان او ان نزعه قد يتم طوعا. واللبنانيون يعرفون ان هذه القدرة غائبة وان النزع الطوعي لا يحل المشكلة بل ربما يرجئ اندلاعها من جديد.

وطرح البعض اخيراً بعدما فتحت جبهة جبل محسن – باب التبانة في عاصمة الشمال طرابلس، وعبر وسائل الاعلام ايضاً، نزع السلاح من هذه المدينة الصابرة التي استباحها السلاح وحاملوه على تنوعهم منذ عام 1975 ولا يزالون مثلما استباحوا بيروت بل لبنان كله خلال المدة نفسها. ومع احترامنا لهذا الاقتراح النابع من قلق على الناس على مدينتهم بل على الوطن فاننا نقول ايضاً انه غير جدي وسطحي للسببين المذكورين اعلاه ولاسباب كثيرة اخرى.

ويوم السبت الماضي دعا نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان، وهو رجل نجل ونحترم ولا غبار على لبنانيته ووطنيته، علماً انه لا يحتاج الى شهادة منا او من احد بذلك، على ما نقلت وسائل الاعلام في اليوم التالي، "الى نزع السلاح" في لبنان وتساءل: "لماذا لا نبدأ بنزعه من الشمال مروراً بكل المناطق وصولا حتى بيروت؟" وختم: "واذذاك نبحث في سلاح المقاومة الذي لم يشكل همّاً في لبنان". طبعاً انطلق الشيخ قبلان في موقفه هذا من حرص على دماء اللبنانيين وعلى البلد والدولة بل على الوطن وليس من اي خلفية خاصة او فئوية كما قد يتبادر الى البعض. واتسمت دعوته بـ"الشمول"، اذا جاز التعبير، اذ طالت كل المسلحين في كل لبنان مستثنية طبعاً المقاومة وسلاحها اي المقاومة الاسلامية التي يمثلها "حزب الله" اولا لانها لا تشكل "همّاً في لبنان" كما قال. وثانياً لان مهمتها كانت تحرير الارض وقد تحرر معظمها وهي جاهزة لتحرير المتبقي منها تحت الاحتلال ولأن هذه المهمة بعد التحرير ستكون الدفاع لمنع عودة الاحتلال والاعتداء. لكن الواقع اللبناني الذي يعرفه نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، كما كل اللبنانيين فضلا عن العرب والمسلمين والعالم، يشير الى ان في طرحه ودعوته الكثير من الطوباوية والمثالية اللتين تغضان الطرف احياناً او ربما لا تريان العقبات الكثيرة الكأداء التي تجعل منهما (اي الطرح والدعوة) غير قابلين للتنفيذ حتى لا نقول مرفوضين او بكلمة افضل غير قابلين للبحث من غالبية اللبنانيين او على الاقل من "شعوب" لبنانية عدة.

ما الذي يجعل طرح الشيخ قبلان ودعوته على النحو الموصوف اعلاه؟
الوضع الراهن في لبنان الذي هو امتداد للوضع الذي ساد ايام الحروب المتنوعة بين 1975 و1990 وايام السلم الامني المفروض والحرب السياسية المستمرة بين 1990 و2005 وايام الانتفاضة والانقسام الداخلي الحاد ووقوف البلد على شفير حرب اهلية بل مذهبية بعد خروج قوات سوريا من لبنان قبل ثلاث سنوات وبضعة اشهر. ما هو هذا الوضع؟ يمكن اختصاره بأمور عدة ابرزها وجود خلاف كبير على المقاومة وسلاحها بين اللبنانيين. واسباب ذلك معروفة للجميع ولا حاجة الى تكرارها في هذه العجالة بصرف النظر عن الصح فيها او الخطأ واعتبار أن انحصار المقاومة الذي حصل قسراً قبل سنوات طويلة بـ"حزب الله" الذي يمثل غالبية الطائفة الشيعية وربما الساحقة مع حركة "امل" جعل فريقاً لبنانياً واحداً اقوى من الافرقاء الاخرين وقادراً على فرض سلطته ورأيه بل واسلوب حكمه وربما مستقبلاً نظامه على الجميع. وهذا امر يرفضه الآخرون علما انهم لا يرفضون مقاومة اسرائيل ولا النتائج المشرفة التي حققتها عامي 2000 و2006، لكنهم يرفضون استغلال المقاومة للسيطرة على البلاد وعلى "الشعوب" اللبنانية الاخرى. الى ذلك فان فريق المقاومة ينفذ اجندة اقليمية وتحديدا سورية – ايرانية ويوفّر لها ذلك قوة كبيرة تمكنها من احكام السيطرة على لبنان لكنه يعرّض لبنان، وإن القوي بمقاومته، الى اخطار مدمرة واسعة لانه يحوله ساحة المواجهة الوحيدة مع اسرائيل واميركا في المنطقة. وهذا امر لا يرفضه اللبنانيون لكنهم يرفضون ان يكونوا وحدهم فيه وليسوا جزءاً من استراتيجيا عربية اسلامية شاملة.

واخيراً، بما ان الانتماءات المذهبية والطائفية هي الاكثر اهمية في لبنان، فان نزع السلاح في كل لبنان، علما ان لا قدرة لاحد على القيام به في ظل الظروف الراهنة الا اذا حصلت تغيرّات خارجية كبيرة، باستثناء المقاومة، يعني تسليطها وبـ"اللبناني الدارج" تسليط "شعبها" او جمهورها على سائر "الشعوب" والجماهير. اولا، لان الدولة ضعيفة بل غير موجودة، ولان مؤسساتها العسكرية والامنية عاجزة ولا احد يريد تقويتها ولا سيما منهم اقوياء اليوم حلفاؤهم الخارجيون. وثانياً، لان المقاومة وكونها ليست جيشاً تضم عشرات الالاف بعد دورات التطويع والتدريب المتكاثرة. وسلاح كل هؤلاء يفترض ان يبقى معهم اي في قراهم ومناطقهم والمناطق التي يعيشون فيها او ان يبقى في متناولهم تحسباً لاي طارىء. وفي حال كهذه لا شيء يمنع استغلال هيبة السلاح هذا في الداخل بحيث يستعمل لجعل ميزان القوة "طابشاً" لمصلحة جمهور المقاومة ولمدة طويلة جداً.

في اي حال ربما نكون اعطينا فكرة اطلقها الشيخ قبلان اكثر مما فيها من مضمون. ولكن كان لا بد من مناقشتها لان اللبنانيين لا يرتاحون الى سماع كلام يتجاهل عمداً حقيقة الامور والاوضاع. فقد سئموا الضحك عليهم من سياسييهم والزعماء. والقصد ليس طبعاً التحريض. فنحن مع المقاومة ولكن ليس في الداخل. ونحن مع المساواة في الداخل وتطبيق الدستور لا التسلط بذرائع غير مقنعة. ونحن مع الدولة القادرة والعادلة، والممسكون بالسلاح الى الابد او حتى تحرير فلسطين او حتى انتصار ايران وسوريا على اعدائهما ليس من مصلحتهم قيام دولة كهذه إلا اذا كانت دولتهم. اما السلاح فلا نؤيده فرديا وغير رسمي.

Exit mobile version