عن بيروت المنتصرة!
لَمِن الأسف الشديد الوطأة والثقل ان تُظهر الطبقة السياسية استرسالها في قتل الفرص واغتيالها فيما يعود لبنان القيمة الاساسية والمضافة التي لا تعلوها قيمة طارئة او قديمة في عيون اهله وضيوفه وقادريه.
ترتسم هذه الحقيقة مع مفارقة لا اغرب في عز احتدام الجولة الاخيرة من الصراع السياسي ومماحكاته حول البيان الوزاري، في حين تبدو بيروت والكثير من المناطق اللبنانية كأنها لا تنتمي الى هذا "العالم" الصراعي الذي أدمنه السياسيون الى حد الانتحار ونحر لبنان معه.
تزهو بيروت في ايامها الراهنة ليس بتدفق المصطافين والسياح اليها كما في ايام العز الخوالي فحسب، بل ايضا بانها العاصمة العربية الخلابة الجذابة التي لم تقو عليها اعاصير الداخل والخارج ولم تتمكن من إحلال بديل منها لدى عشاقها. وتزهو ايضا بكونها العاصمة العربية الوحيدة التي تهزأ بانقسامات وصلت الى حد اراقة الدماء ولكنها وقفت عند حدود تاريخ هذه العاصمة العظيمة التي وحدها يمكنها ان تستقطب بعد اقل من اشهر ثلاثة من اعصار دموي كل هذه الموجات المشرقة والفواحة لعشاق الحياة والحرية والتنوع والانفتاح.
تسير المفارقة على خطين غريبين عجيبين. طبقة سياسية كأنها فقدت نعمة النظر والمشاهدة والسمع تقبع في كهوف انماط لا ترى في السياسة الا معايير الصراع وسقطت سقوطا مدويا في امتحان صناعة المستقبل الزاهر للناس والبلد والدولة، واستباحت الاعمار والاجيال والاستقرار والامن باسم عناوين خادعة كاذبة اصبحت هالكة كوجوه الكثيرين.
وفي المقابل عاصمة ومعها مناطق ترفل بنجاحها الساحق وانتصارها الساحق على كل من اراد للبنان الموت بسكتة الاستباحة والفتنة والعرض والطلب على طاولة المقايضات والصفقات ومقامرات الدول.
ولعل أشد ما ينبغي ان يصفع اللبنانيين انهم يقيمون عليهم طبقة سياسية معظمها على الاقل من قساة متغطرسين سكن الحقد قلوبهم واستوطنتهم غرائز العداء الى حد فقدوا معه تماما الحس بالحياة الطبيعية والشعور بأن حاجات الانسان اللبناني هي القضية الوحيدة التي صارت المعيار الحاسم للتوكيل السياسي والتفويض الفعلي للنطق باسم الناس ولوضع السياسات التي تشكل افعال الندامة عن عقود من امتهان هذه القضية.
بيروت اكبر من سياسييها ومن سائر ألاعيبهم وأمراضهم، هو ما تقوله هذه "العجالة" الجارية في صيف لبنان الآن. وبيروت المختزنة لكل لبنان ولكل جروح الماضي والحاضر ولكل اشراقات وتعثرات هذه التركيبة اللبنانية المعقدة والساحرة في آن واحد، هي اقوى من كل تزوير وتوظيف وتلاعب لمجرد ان تترك لدورة الحياة.
تفضح بيروت في ايامها المستعادة كل سخافة الصراع السياسي المتهالك على بقايا مفاهيم قبلية وعشائرية وسلطوية فيما لا يسمع روادها وابناؤها عنوانا واحدا يتصل بهذه الظاهرة التي يرصدها العالم بذهول. ولكن حسب بيروت انها اعادت الى نفسها من دون منّة من احد انتصارها الساحق في اسابيع حتى ولو اقتضى الامر وضع خرزة زرقاء عملاقة على قلبها النابض بالحياة، خلافا للموت السريري الذي اصاب السياسة اللبنانية من دون صدور مراسم نعيها.
