الحق والقوة
نسمعُ ونقرأ منذ نشوب الأزمة الوطنية مواقف وتصريحات لبعض قيادات ما يسمّى بقوى الرابع عشر من آذار تشدّد على مرجعية الدولة، كقوة تحمي الحق، من المعتدين عليه، والذين يحاولون إغتصابه، وتدعو جماهيرها الى الإحتماء بالدولة والإطمئنان الى هذه الحماية·
ومنذ ذلك التاريخ وحتى الساعة وجدت هذه القوى نفسها تتدرج من تنازل الى تنازل حتى أصبح الباطل هو الحق، أو أن الحق في خبر كان لا مكان له على أرض الواقع، وحصلت قوى المعارضة التي تستند الى القوة، والى القوة وحدها تحررهم، وتحول الباطل الى حق، من تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية الى الثلث المعطل في الحكومة الى قانون إنتخابي غريب عجيب، الى منع الدولة من إستعمال أبسط حقوقها في نقل موظف من مكان عمله الى موقع آخر والى محاصرة قيادات الأكثرية في بيروت، وحتى اعتقالهم لولا بعض من حياء فماذا فعلت الدولة ازاء هذه التحولات التي فرضتها القوة·
لا شيء ولا يمكن أن تفعل شيئاً لا الآن ولا غداً ولا بعد غد إلا إذا امتلكت هذه الدولة القوة الكافية لمنع القوة المضادة من القفز على سلطتها، وهذه المقولة أو النظرية ليست من ضروب الخيال، وانما هي حقيقة ثابتة عبر التاريخ· ذلك ان كل الإمبراطوريات القديمة التي قامت في العالم، وكل الدول الحديثة، حكمت بمقتضى القوة وحتى الحق كان مصدره القوة وكان يقال مثلاً قوة الحق، وكل حق لم يثبت بالوسائل الديمقراطية وحدها لو لم تدعمه القوة والسلطة لا يكون لوجودها قيمة وتأثير وقدرة على تطبيق القوانين، أو على فرض تطبيقها لولا القوة التي تمتلكها من جيش وقوى أمنية·
وهذا الكلام الذي اثبته تاريخ الإمبراطوريات والدول والشعوب ليس من اختراعنا، وعلى الذين يُنادون بالدولة ويدعون اليوم الى الإحتماء بها أن يثبتوا أن هناك سلطة في العالم، لا تملك القوة إستطاعت ان تحمي أحداً من رعاياها ومواطنيها وتنتزع له حقوقه من مغتصبيها بالقوة ومن دون وجه حق·
فهل الدولة مثلاً قدرت على أن تحمي المواطنين الآمنين في بيروت من الإعتداء عليهم وحجز حرياتهم وإهانة كرامتهم وحتى إذلالهم·
هل الدولة قدرت على أن تحمي وسيلة اعلامية كتلفزيون المستقبل من الذين احتلوه بالقوة وعبثوا بمحتوياته وتجهيزاته بعد طرد العاملين فيه·
هل الدولة منعت المعارضة صاحبة القوة من فرض الثلث المعطل في الحكومة خلافاً للدستور والقوانين وحتى للأعراف·
هل الدولة منعت فرض قانون إنتخابي عمره أكثر من نصف قرن اراده من يملك القوة؟
وهل وهل الى آخر المسلسل الطويل فأين هذه الدولة وما هي مقوماتها ما دامت لم تتمكن من أن تغير موقعاً لموظف وهذا أحد أبسط الأسئلة·
يا جماعة اقرأوا التاريخ واتعظوا منه ··!!