النفوس لا النصوص!
هذه حكومة داحس والغبراء. يعرف الجميع بلا استثناء انه ما ان تنتهي معمعة البيان الوزاري حتى تبدأ معمعة الانتخابات النيابية قانونا واستعدادا، وهذا يعني ان "القتال" سينتقل من جبهة النصوص الى جبهة الصناديق، وأن كل ما جرى ويجري انما هو تحضير لـ"أم المعارك" التي ستقرر لمن تكون الأرجحية في التمثيل العام.
اذاً كل هذا العراك الكلامي والصياغات الانشائية سيذهب مباشرة الى "الخرج" ليس لأن المثل يقول "حطّ بالخرج" بل لأن الوقت المتاح لهذه الحكومة لن يسمح لها بأن تفعل شيئا يهم المواطنين في المسائل الاقتصادية والمعيشية والأزمات المتفاقمة في البلاد، وإن يكن هناك من يوحي للناس انه حان وقت "معالي المعجزات"!
❑❑❑
بكثير من الواقعية وبعقل بارد نقول إنه أياً يكن النص الذي يحدد علاقة الدولة بالمقاومة فانه سيذهب ايضا وايضا الى "الخرج"، قياسا بالواقع السائد على الارض. فلا الدولة ستقفل الابواب في وجه المقاومة وتمنع "حزب الله" من تقرير تحركه كما يشاء، ولا "حزب الله" سيمتنع عن حرية التحرك بانتظار الحصول على أذونات ممهورة بتوقيع الدولة.
اذا الخلاف على النصوص الذي طال كثيرا لا يعني شيئا قياسا بما في النفوس من خلافات وانقسامات. وليس خافيا، لا على اللبنانيين ولا على المهتمين بلبنان، ان جوهر الخلاف قائم على محاولات فرض جواب عن السؤال: "أي لبنان نريد؟"، بما يعني أي خيار استراتيجي يجب أن يأخذه لبنان في وقت تنقسم فيه المنطقة بين "قوى الممانعة" التي تقودها ايران ومعها سوريا و"قوى الاعتدال" التي تضم معظم الدول العربية وتدعمها اميركا التي تطبق سياسة غبية منحازة الى اسرائيل.
❑❑❑
أمام الواقع الانقسامي العميق الذي استنسخ وسيستنسخ مفاعيله في كل المحطات: أزمة الحكومة الماضية – انتخاب الرئيس ميشال سليمان – تشكيل الحكومة الحالية – البيان الوزاري الآن – تعيين قائد الجيش غداً – تعيين قادة الاجهزة الامنية بعد غد – أمام كل هذا، طرح البعض في الايام القليلة الماضية اسئلة مضحكة – مبكية منها على سبيل المثال:
❑ أولاً: ليس جديدا ان يتحول الدستور في لبنان ممسحة. ففي خلال الازمة الحكومية واقفال مجلس النواب صار خرقة بالية.
لذلك ما الذي يمنع ذهاب هذه الحكومة، حكومة "الشركاء الألداء"، الى البرلمان فتنال ثقته الاكيدة من دون ان يكون لها بيان وزاري وخصوصا أنه لن يقدم أو يؤخر، ما دامت أولاً قد شُكلت وفق محاصصة عويصة ومنهكة أرضت الجميع في الدنيا والآخرة، وثانياً لن تفعل شيئا غير الغرق في المعركة الانتخابية؟
❑ ثانياً: لأن الدستور صار ممسحة للأفكار النيّرة جدا، فقد تردد منذ مباشرة وضع البيان الوزاري أنه يمكن ترحيل النقاط المختلف عليها الى "مؤتمر الحوار الوطني".
هذا الاتجاه يعني تدميرا لقواعد الدستور ونصوصه واحتقارا لذكاء الناس في هذا البلد البائس. أولاً لأن الحكومة هي مجرد "مسطرة" عن أولئك الذين سيشاركون في مؤتمر الحوار الوطني، وثانياً لأن الذين غرقوا في الصياغات والنصوص كانوا يتلقون "التعليمات العليا" على مدار الساعة.
❑ ثالثاً: لم يكن ولن يكون واضحا على الاطلاق كيف يمكن الفقرة التي تشير الى علاقة الدولة بالمقاومة ان تتحول "إناء لغوياً" يجمع بين المتناقضات كي لا نقول بين الجليد والنار، عندما يتضمن "النص الانشائي" اشارة الى حق المقاومة وفق البيان الوزاري الاخير واشارة الى القرار 1701 الذي يدعو في أحد بنوده الى نزع سلاح المقاومة، إلا اذا كان المطلوب صياغة شكلية ترضي الجميع وغير صالحة للتطبيق!
❑ رابعاً: في قمة المضحك – المبكي عودة الحديث أولا عن الحاجة الى تدخلات ووساطات عربية وأوروبية، ثم عن حصول هذه التدخلات عمليا الآن، وهذا الامر ترويج متكرر ومعيب للنظرية الموضوعة في التداول منذ زمن بعيد، وهي ان اللبنانيين لم يبلغوا ولن يبلغوا سن الرشد وأنهم حفنة من التناقضات لا تبني وطناً ولا تستطيع ان تحكم نفسها بنفسها!
❑ خامساً: من المضحك – المبكي ايضا، ان زيارة الرئيس ميشال سليمان الى فرنسا كانت في مقدم الضرورات التي قضت بحسم الأمور وتشكيل الحكومة على ما أشير في حينه. وأن تكون زيارته المنتظرة الى دمشق في مقدم الضرورات التي تقضي بحسم القتال حول البيان الوزاري على ما يشار اليه الآن، ولكأن هموم لبنان واللبنانيين ليست كافية لحسم مثل هذه الامور الوطنية.
❑ سادساً: من المضحك – المبكي والمعيب ايضا ان يسمع اللبنانيون الآن وشوشات في الصالونات تشير الى أنه قد يكون من عناصر العرقلة والتعقيد مراهنة البعض من الأطهار على أن يأتي التدخل الخارجي لانهاء الخلاف على البيان الوزاري مصحوبا بـ"الكلمة السرية"، والأصح بـ"الأخضر السحري" الذي قيل إنه فعل فعله الفاعل في فك عقد سابقة.
عندها يمكن الوحدة الوطنية أن ترقص على أنغام "حقائب البنكنوط"!