هل يتحوّل الأمن أماناً ويتوقّف التاريخ عن إعادة نفسه؟
البيان: حل وسط وعبارات ترضي الجميع
قبل خمسين عاما، كان عنوان آخر خبر على رأس الصفحة الاولى في "النهار": "اطلاق نار متقطع في العاصمة". وفي مكان آخر من الصفحة نفسها خبر بعنوان: “قلب العاصمة يهتز امس في ثلاث نقاط – بن عازار (قتيل وجريحان) ومسعود وغراهام".
وجاء في الخبر الاول ("النهار" العدد رقم 6953 السبت 9 آب 1958): "سمع ليل امس اطلاق نار متقطع في عدد من احياء بيروت بعد هدوء شمل المدينة عدة ليال متوالية. وكان بين الاحياء التي سمع فيها اطلاق النار محلة باب ادريس ومحلة الجميزة. ولم تتوافر اية تفصيلات عن اطلاق النار". وجاء في الخبر الثاني وقد تضمن صورة لـ"محل عازار من الخارج": "لم يكن قد مضى امس اكثر من ثمانية ايام على 21 تموز (دون ايضاح ماهية هذا التاريخ) عندما استيقظت العاصمة على انفجارين فثالث وقعت كلها في وسطها الحساس: الاول في محل بن عازار في ساحة الشهداء (للمرة الثانية) وقد اسفر الانفجار عن وقوع قتيل وجريحين، والثاني قرب قهوة مسعود باب ادريس، والثالث في محطة غراهام".
كان ذلك اذاً قبل خمسين عاما. ومع فارق الظروف والمعطيات والاسباب، حصل مثله بالامس القريب في العاصمة. وحصل الامر نفسه في طرابلس ليل اول من امس (الاحد – الاثنين) عبر استهداف موقع للجيش ثم اشتباك بين منطقتي بعل محسن وباب التبانة وتقدم فرقة من المغاوير في اتجاه جبل محسن لاعتقال مطلقي النار (وفق مصدر امني في صحف امس).
بالفعل، ما اشبه اليوم بالبارحة! والتاريخ يعيد نفسه بل يكررها لان "المسكنات" كانت الوصفة المعتمدة لمعالجة التفجيرات الامنية تاريخيا: من الامن بالتراضي، الى غض الطرف عن تخزين السلاح ومخازن الذخيرة، و"تفريخ" الميليشيات والتجمعات المسلحة "البلدية" والغريبة، القريبة والبعيدة، وصولا الى الانفجار الكبير عام 1975 في ما يسمى "حرب السنتين" وما استتبعها من حروب متعددة الاشكال والادوات كان وقودها وضحاياها على الدوام من المدنيين الابرياء العزل. وبينما يستمر الجدل البيزنطي بين "حق المقاومة" و"حق الشعب اللبناني في المقاومة" ولا احد يدري ما الفرق وما هي اسباب التشبث بكلمة من هنا وعبارة من هناك يبدو ان الوحي قد هبط مجددا على رؤوس الجميع، وبات مرجحا ان ينتهي الجدل اليوم بعبارة ترضي الطرفين: المطالبين بنسخة طبق الاصل عن البيان الوزاري للحكومة السابقة للرئيس فؤاد السنيورة وبـ"حق المقاومة"، ورافضي اعطاء ما يسمونه "الحق الحصري" في المقاومة لاي حزب او طرف سياسي، والمصرين على عبارة "حق الشعب اللبناني" في المقاومة.
يبقى ان يعرف المواطن اللبناني طبيعة المعركة المقبلة بين طرفي "النكد" السياسي، بعد صولات وجولات لهما بدءا من انتخابات الرئاسة مرورا بالحكومة وصولا الى البيان الوزاري، وايا تكن طبيعة المرحلة المقبلة، فانها محكومة بعنوان كبير امام حكومة العشرة اشهر هو: الانتخابات النيابية. واما البداية الفعلية للعهد الجديد، فهي عمليا بعد نيل الحكومة الثقة في مجلس النواب وانطلاق ورشة العمل. ويفترض ان عنوان الانطلاقة سيكون امنيا اجتماعيا، بالاضافة الى السياسة والانتخابات. والرئيس ميشال سليمان الآتي من المؤسسة العسكرية، عاش تجارب و"مطبات" كثيرة، لم يكن اقلها في الفترة الاخيرة انتقاد وقوف الجيش على الحياد وعدم تدخله بشكل حاسم لحماية المواطنين من هجمات يتعرضون لها، وكان آخرها على ضفتي "شارع سوريا" في طرابلس بين باب التبانة وبعل محسن.
ولكي لا تتكرر المأساة ويستمر التاريخ في اعادة نفسه وتكرارها، تماما كما قبل خمسين عاما، يفترض ان يستفاد من التجارب المرة، وقد استطاع العماد سليمان تجاوزها قبل ان يأتي رئيسا توافقيا باجماع غير مسبوق، محليا وعربيا ودوليا، "لعل وعسى" يمكن التوصل ذات يوم الى استقرار حقيقي، فلا يعود المواطن في لبنان يعيش "كل يوم بيومه" كما يقال، ويصبح في استطاعته التخطيط لغده ومستقبله دون قلق على المصير، ويتوقف نزف الهجرة المستمر (في دول الخليج العربي فقط نحو 750 الف شاب لبناني تتراوح أعمارهم بين 20 و40 سنة). هكذا ورد في معلومات لمصادر موثوق بها بعيدا من احصاءات واستطلاعات رأي "غب الطلب"!
واول الاستقرار قرار، وليس سرا ان الامن في كل المراحل سياسي، فالاحتقان السياسي يترجم في النهاية انفجارا في الشارع ووقوده دائما المواطن البريء، وقد شهد مرارة مثل هذه "الترجمات" بالامس القريب ودفع ثمنها.
فهل ينجح العهد الجديد في تحويل الامن امانا واستقرارا؟
هذا ما ينتظره منه الجميع، وذاك هو التحدي الاكبر امامه، والامر ليس مستحيلا اذا وضع السياسيون "النكد" جانبا واصبحت الحكومة فريق عمل واحدا، واستحقت فعلا اسم "حكومة الوحدة الوطنية".
والحكومات يفترض ان تكون دائما فريق عمل واحداً وهذا ما كان على مر السنين، قبل ان يخترع ساسة هذا الزمن "ثقافة" جديدة في تأليف الحكومات على هدي المحاصصة وتكبيرها، وفي "ابتداع" البيانات الوزارية. فهل تكون الحكومة كذلك؟ ذاك هو التحدي الكبير الآخر امام العهد، وبطبيعة الحال امام مجلس الوزراء والرئيس فؤاد السنيورة.
ومن الجهاد الاكبر الى الجهاد الاصغر، ذاك هو العنوان الاصلح للمرحلة المقبلة بعد انحسار آخر العواصف، اذا صدق اهل السياسة وتعاونوا على البر والتقوى!
