الانتخابات الأميركية والمفاوضات تفرضان جدولة جديدة في المنطقة
فيلتمان وسيسون دحضا تبدّل موقف واشنطن
ابرز نائب مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط جيفري فيلتمان في شهادته امام اللجنة الفرعية للشرق الاوسط التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي خطابا أميركياً عن الوضع اللبناني اظهر فيه، بحرص كبير، عدم حدوث أي تبدل في الموقف الأميركي من لبنان على رغم كل الكلام على متغيرات في هذا الموقف بعد اتفاق الدوحة. وأتى هذا الكلام في توقيت اعقب ما روج عن لقاءات غير رسمية لوفد سوري مع مسؤولين اميركيين، بينما يعرف فيلتمان اكثر من سواه نتيجة تجربته في الوضع اللبناني خلال ثلاثة اعوام مدى حساسية كل كلمة وكل موقف اميركي بالنسبة الى لبنان.
وبدت كلمة فيلتمان تأكيداً لما ذهبت اليه ايضا السفيرة الاميركية ميشيل سيسون في خطاب اعتمادها في لبنان امام الكونغرس الاميركي من حيث اثارة المواضيع نفسها وبالعبارات نفسها تقريبا، وتاليا تأكيدها ان السياسة الاميركية لا تزال هي نفسها حيال سيادة لبنان واستقلاله بأبعد من الخط المبدئي التقليدي. لا بل شكك فيلتمان، بالنيابة عن مساعد وزيرة الخارجية ديفيد ولش الذي كان مقررا ان يمثل امام اللجنة، بالنتائج الاخيرة لزيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم لبيروت وتأكيده استمرار المتابعة الدقيقة للوضع في لبنان ولا سيما وضع مزارع شبعا، بكل ما تعنيه كل من هذه النقاط، فضلا عن استمرار دعم الجيش اللبناني، مع ان الوعي الاميركي لاهمية تأثير مزارع شبعا وانهائه تأخر كثيرا الى درجة لم يعد في الامكان معها الرهان على قدرة للولايات المتحدة على ممارسة أي ضغط على اسرائيل من أجل تحرير المزارع، كما ان واشنطن لم تقم حتى اليوم بما يلزم في هذا المجال مع التشكيك في قدرتها على ذلك، نظرا الى المصالح المشتركة لكل من اسرائيل وسوريا في تجميد اعادة المزارع الى لبنان. والمغزى من هذا الكلام ان كل التطورات الحاصلة في المنطقة لم تبدّل في الجوهر.
وبالنسبة الى بعض المراقبين المتابعين ثمة مخاوف تتصل بالفراغ الموضوعي الناجم عن الحملات الانتخابية الاميركية الذي يمكن ان يفيد منها بعضهم من اجل تسجيل نقاط او فرض امر واقع جديد على ما حصل في 7 ايار الماضي، ثم في حتمية بروز انشغالات واولويات يتحتم انجازها قبل انتهاء الولاية الرئاسية للرئيس جورج بوش. الا ان آخرين لم يخفوا انزعاجهم من تبدل في الموقف الاميركي جراء تخفيف الضغط عن سوريا الى حد كبير في المدة الاخيرة الى درجة ظهور تشكيك اميركي في احتمال ان تكون سوريا متورطة في تأخير تأليف الحكومة في لبنان على رغم معرفته الاكيدة بمدى "مونة" سوريا على حلفائها او في احتمال مسؤوليتها المباشرة او غير المباشرة عن حوادث طرابلس وبعل محسن من زاوية عدم الاعتقاد، ان سوريا ربما تتورط في شيء ما يمكن ان يدل بقوة اليها في هذه المرحلة تحديدا التي تحاول خلالها رأب علاقاتها بالخارج والسعي الى فك عزلتها الدولية.
وثمة من يعتبر ان الاميركيين احدثوا تبديلا في موقفهم من المفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة الجارية بين البلدين. اذ رفضوا حصولها اولا لعدم "مكافأة" سوريا في الوقت غير المناسب وللاسباب غير المناسبة، ثم قبلوا بها ولم يعودا متحفظين عن حصولها في تركيا. ويستبعد احتمال رعاية الاميركيين لها لدى تحوّلها ثنائية بعدما عقدت في اليومين الاخيرين جولتها الرابعة على نحو غير مباشر.
لكن مصادر معنية تقول ان الموقف من لبنان لم يتغير فعلا ولا حتى من سوريا بدليل الاستمرار في عدم اعتماد سفير في دمشق منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وهي تعتبر ان الكلام على هزيمة اميركا في لبنان لا يتسم بالواقعية نسبة الى الحوادث التي شهدتها بيروت في ايار الماضي.
وثمة متغيرات اميركية شكلية حتى الآن ولكن اي شيء جوهري لم يحصل حيال دمشق، على ما تقول هذه المصادر، في حين لا تزال واشنطن تصر على ضرورة احترام سيادة لبنان من حيث اقامة علاقات ديبلوماسية بينه وبين سوريا وترسيم الحدود كشرط بينهما كذلك لا بد منها للانفتاح على دمشق. كما تشير الى تمسكها بالمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري على نحو غير قابل للمساومة تحت اي طائل.
واستناداً الى المصادر نفسها فان ثمة تناقضا في الاستنتاج والبناء على انزعاج اميركي من فرنسا لانفتاحها على سوريا ومساهمة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في فك العزلة الدولية عنها من خلال دعوته الرئيس السوري الى باريس والمشاركة في ذكرى 14 تموز، وفي الكلام في الوقت نفسه على تبدل اميركي من سوريا ما لم يكن الموضوع موضوع تنافس فرنسي – اميركي على اعادة الوصل مع سوريا. ولا يبدو أن هذه هي الحال، بل على النقيض من ذلك من حيث اعتقاد كثيرين برأب الاسد الصدع مع فرنسا ومع اسرائيل عبر تركيا، وحتى محاولة تطبيع العلاقات مع لبنان خطوات على طريق رأب الصدع مع الولايات المتحدة الاميركية.