لا تلوموا الجيش بل الدولة والزعماء… والأشقاء
ظن اللبنانيون يوم امتنع قائد الجيش عام 1952 اللواء فؤاد شهاب عن استعمال وحداته العسكرية لضرب الانتفاضة الشعبية الواسعة جداً على الرئيس الاول للجمهورية المستقلة الشيخ بشاره الخوري، أنه كان طامحاً الى الحلول مكانه.
لكن بعضهم ظن ان شهاب، وهو مؤسس الجيش اللبناني، كان يعرف تركيبة لبنان الشعب ولبنان السياسيين المنعكسة تلقائياً على تركيبة الجيش وإن زج هذه المؤسسة في صراعات الداخل وخصوصاً بعد وصولها الى الشارع قد يؤثّر على وحدته. فضلاً عن انه قد لا يحقق النتائج المأمولة من تدخله.
لكن التجربة نفسها تقريباً التي وقع فيها لبنان بعد ذلك بنحو ست سنوات اي عام 1958 في ظل القائد نفسه للجيش اللواء فؤاد شهاب اظهرت للبنانيين رغم انها ادت في النهاية الى انتخابه رئيساً للجمهورية خلفاً للرئيس كميل شمعون الذي واجه ثورة مسلحة في اواخر عهده لاسباب داخلية واقليمية، اظهرت بما لا يقبل الشك ان اللواء شهاب كان محقاً ومتبصراً وعارفاً بتركيبة شعبه وبالعوامل الكثيرة التي تتجاذب مكوناته الطائفية وغير الطائفية. ذلك ان الانقسام الداخلي الحاد المسيحي – المسلم، رغم وجود شخصيات مسيحية في الجانب الاسلامي "الوطني" وشخصيات اسلامية في الجانب المسيحي "الرجعي"، اظهر بعدما عبّر عن نفسه باستعمال انصار كل منهما السلاح ضد الآخر في الشارع، ان عدم تجاوب شهاب مع رغبات شمعون في استعمال الجيش ضد "الثوار" كان في محله لان هذا الانقسام كان سيصل الى المؤسسة العسكرية لا محال.
ورغم هاتين التجربتين المخيبتين للناس العاديين الذين ينتظرون تلقائياً من العسكر في بلادهم التدخل لحمايتهم عند حصول تهديد جدي لهم وللأمن العام في البلاد وتالياً لاستقرارها ودستورها ووحدتها، فان اللبنانيين لم يتعلموا وكذلك زعماؤهم والسياسيون. اذ ظلوا يطالبون باستعمال الجيش كلما شعروا بتهديد جدي للبلاد وبصرف النظر عن اسبابه وعن الانقسامات الداخلية التي قد تكون وراءه.
فبين عامي 1969 و1975 بدأ الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان ارساء اسس دولته داخل الدولة اللبنانية مستفيداً للنجاح في ذلك من مناخ اسلامي و"وطني" داخلي متعاطف قومياً مع قضية فلسطين، وناقم على صيغة لبنان ونظامه لانهما مجحفان في حق المسلمين. حاولت السلطة الاستعانة بالجيش لمواجهة ذلك كله، لكنها فشلت لترددها بسبب معرفتها بتركيبة الشعب والجيش.
ومنذ بداية الحروب الاهلية وغير الاهلية عام 1975 حتى انفراط الجيش انقسم الحكام والسياسيون والزعماء والناس حول انزال الجيش، لحسم الامور وخصوصاً في البداية. لكنه لم ينزل خوفاً من الانقسام. علماً انه انقسم بعد ذلك بل تفتت لانه لا يستطيع البقاء موحّداً وبلا عمل في وقت يشعر كل من "اطرافه"، وعذراً لاستعمال هذا التعبير، بالتعاطف مع الاطراف الذين هو منهم وبالحقد على الاطراف الآخرين.
حتى هذه التجربة المرة والقاسية والواضحة لم تعلّم الناس ولا زعماءهم، اذ ظن الجميع منذ البدء بتطبيق اتفاق الطائف ان لبنان جديداً سيُبنى ومعه جيش جديد ودولة جديدة، وان المؤسسات ستعمل بانتظام لان الشعب من ورائها قد توحّد.
وتحوّل الظن يقيناً لان هذه المرحلة امتدت من 1990 حتى 2005. لكن ما حصل بعد 2005 إي بعد انسحاب سوريا من لبنان، ولا يزال يحصل يظهر في وضوح ان المشكلة التي حالت دون قيام الجيش بمهماته الفعلية، سواء على الحدود مع اسرائيل العدو او حتى مع الاشقاء او في الداخل منذ الاستقلال حتى التاريخ المذكور اعلاه، لا تزال من دون حل. لا بل انها تفاقمت بحيث صار حلها متعذراً وصارت البلاد بسببها اقرب الى الفوضى والتفتت والفتن والحروب الاهلية. ذلك ان سوريا التي وحّدت الجيش والمؤسسات لم توحِّد فعلا الشعب بل فرضت الوحدة الرسمية عليه وعلى المؤسسات لكن مصلحتها كانت في استمرار التشرذم كي يبقى وجودها فيه "الى الابد" حاجة لبنانية وعربية واقليمية ودولية، وحتى اسرائيلية. وظهر ذلك بعد انسحابها من لبنان. اذ برزت اعراض الانقسامات بين الشعوب اللبنانية الى درجة الاشتباكات والحروب. وهي تتعمق في استمرار. وفي خضم كل ذلك لم يستطع الجيش، رغم النيات الحسنة لقيادته ولعدد كبير من ضباطه، القيام بمهماته التي تكاثرت بحيث صارت تتطلب جيشاً جراراً اين منه جيش لبنان. اما السبب فهو نفسه ايضاً كونه جزءاً من الشعوب بهمومها ومواقفها وطموحاتها ومخاوفها وهواجسها. لكنه هذه المرة اضعف بسبب ذلك ولسبب آخر هو بروز قوة عسكرية سياسية اقوى منه واكثر عددا. وهو لا يستطيع، فضلا عن ان احداً لا يريد له ذلك، ان يخوض اختبار قوة معها.
لماذا نقول هذا الكلام اليوم الذي هو يوم الجيش وعيده؟
لأننا نحب الجيش ولأننا لا نحمّله، كما الناس العاديون وربما حتى السياسيون والزعماء، مسؤولية عدم قيامه بمهماته وخصوصاً في الاشهر الاخيرة وابرزها حماية المواطنين. فهذه مسؤولية من عجز من زعماء لبنان عن الاتفاق على اي لبنان يريدون وتالياً عن بناء دولة تساوي بين جميع مواطنيها وتقنعهم بالانتماء الى الوطن وحده. ولاننا نريد له وفي ظل هذا العهد الجديد ان يصبح فعلا جيش الشعب اللبناني لا جيش الشعوب اللبنانية. واذا لم نصل الى هذه المرحلة فسيكون اي رهان وطني عبثياً.
في اي حال وبما ان الاجواء اليوم هي اجواء عيد فلا بأس ان نختم بطرفة قد لا تكون ظريفة في رأي كثيرين هي الحمد لله ان شعب لبنان شعوب، وان جيشه صورة دقيقة عنه لانه لو كان شعباً واحداً فعلا لما بقي مكان في السلطة لمدني لان هذه هي القواعد المعمول بها في محيط لبنان.
حمى الله لبنان من دكتاتورية العسكر والطوائف والمذاهب والاديان والاشقاء!
• ملاحظة: ان انجاز نهر البارد هو الاستثناء الذي يثبت القاعدة. اذ لولا دعم "الشعوب اللبنانية" له لما تحقق. وذلك يؤكد ان وحدة الجيش وقوته هما من وحدة الوطن وقوته خلافاً لما قيل أمس.
