الانكفاء الدولي لا يعني تخلياً عن دعم الخيارات السيادية في لبنان
"حزب الله" يستبق حوار بعبدا بالضغط على البيان الوزاري
أفادت مصادر سياسية مطلعة ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان كثّف تواصله مع الأطراف السياسية الداخلية بغية إنضاج صيغة توافقية للبيان الوزاري لحكومة عهده الأولى "لأنه يستعجل عقد طاولة الحوار الوطني فور نيل الحكومة الثقة في مجلس النواب لكي تواكب الحركة السياسية وتسهم في خلق مناخات ايجابية تنعكس استقرارا على الوضع العام". ولفتت الى ان إنطلاق عمل الحكومة من شأنه "ان ينسحب ارتياحاً داخلياً على المستوى السياسي والاقتصادي ويسحب من الشارع الملفات الخلافية ويسحب معها فتائل التوتر بحيث يعيد الى المؤسسات دورها في مناقشة المواضيع السياسية الخلافية وايجاد الحلول لها، تمهيداً للإعداد للاستحقاقات المقبلة وفي مقدمها الانتخابات النيابية في ربيع العام 2009".
"هدايا" دمشق الموعودة
وأشارت هذه المصادر الى أنه وبعد انطلاقة الحكومة وقبل انعقاد طاولة الحوار في قصر بعبدا برعاية الرئيس سليمان، ستتركز الأنظار على نتائج الزيارة المرتقبة للرئيس الى دمشق، لأنها ستحدد مسارات عدد من الملفات الشائكة كترسيم الحدود والتبادل الديبلوماسي بين البلدين ومصير المفقودين اللبنانيين في سوريا، لافتة الى كلام يتردد في أكثر من وسط عن "هدايا" يعتزم السوريون تقديمها للزائر اللبناني الكبير في بداية عهده.
وبحسب هذه المصادر، فإن التحضيرات لطاولة الحوار لا تزال محصورة بتوجيه الدعوات للقادة الـ 14 فقط، وأنه لم يجر حتى الساعة تحديد موعد الحوار أو جدول أعماله. ونفت صحة كل ما ينشر من تحليلات وتوقعات في هذا الشأن، لكنها شددت على ان لدى رئيس الجمهورية رغبة بالاسراع في إطلاق الحوار بعد نيل الحكومة الثقة وزيارة سوريا.
وأوضحت المصادر ان موضوع الاستراتيجية الدفاعية سيكون في أولوية الملفات التي سيبحثها الحوار، مشيرة الى ان معظم الأطراف المعنية بهذا الموضوع بدأت بإعداد ورقتها التي تتضمن الرؤية الخاصة بمستقبل السلاح. ونبّهت على صعوبة اجراء الانتخابات النيابية المقبلة تحت ضغط وجود سلاح متفلت من ضوابط السلطات الشرعية، خصوصاً وأن المقاومة بعد أحداث شهر أيار الفائت، غدا شعارها السلاح للدفاع عن السلاح وليس الوطن، وبالتالي فقد تغير مفهومها ووظيفتها ودورها.
عودة منطق التهديد
وبانتظار انعقاد مؤتمر الحوار وما سينتج عنه، لماذا يصرّ "حزب الله" على تضمين البيان الوزاري للحكومة فقرة تعطيه شرعية سياسية لممارسة "المقاومة"، التي يحددها حصراً، طبيعة ووسائل وتوقيتاً وآليات، طالما أن الاستراتيجية الدفاعية ستكون في لبّ حوار القيادات السياسية المرتقب؟، وما هو التطور الذي يمهّد له الحزب من خلال إعلان "المقاومة الاسلامية" ان "تمادي العدو الإسرائيلي في انتهاكه للأجواء والمياه والأرض اللبنانية (يعتبر) تصعيداً استفزازياً غير مقبول ويستدعي الإدانة والتحرك الجدي (..)"؟.
في تقدير مصادر ديبلوماسية عربية، فان الفترة القريبة المقبلة ستظهر بوضوح الاتجاهات في لبنان على نحو حاسم: فاما أن يظهر امكان التوافق على الاستراتيجية الدفاعية من خلال الحوار اللبناني الداخلي، او لا يظهر هذا الاحتمال. وترجح هذه المصادر أن يؤدي عدم الاتفاق على هذا الموضوع إلى عودة استخدام السلاح في الداخل على غرار ما جرى من 7 الى 15 أيار الفائت.
ويعزز هذا الرأي، بحسب المصادر الديبلوماسية، الخطاب التهديدي المستمر لنواب ومسؤولين في "حزب الله" والذي يستعيد أجواء ما قبل اتفاق الدوحة، كالتهديد الذي أطلقه رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد بحق قوى الأكثرية في حمأة مناقشة حق الدولة في الدفاع والسيادة وفق الآليات والاعتبارات التي تحفظ المصالح الوطنية، عندما قال "نحن لم نتحمل التعرض بقرار يمسّ بشبكة اتصالات المقاومة، فكيف يمكن شعبنا أن يتحمل توجهاً يلغي المقاومة وحقها في البيان الوزاري؟"، وأمر العمليات الذي أعلنه المعاون السياسي للأمين العام للحزب حسين خليل بأن "لا لبنان ولا بيان وزاري من دون مقاومة".
فهذا الخطاب، برأي هذه المصادر، لا يتعلق بالضغط على البيان الوزاري حصراً، بقدر ما ينذر باحتمال لجوء الحزب الى الخطاب التحذيري او التهديدي نفسه عند كل محطة مهمة مفصلية وربما الى تنفيذ تهديداته مجدداً، خصوصاً بعدما كسر حاجز استخدام السلاح في الداخل وبات أي تعهد منه بعدم هزّ الاستقرار غير مطمئن في ذاته متى تحضر المبررات له، وخصوصا ان احدا لم يشكك يوما لا في الداخل ولا في الخارج، حتى بين خصوم الحزب، بتعهدات الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله عدم استخدام السلاح في الداخل ضد اللبنانيين، والتي سقطت باللجوء العملي الى هذا السلاح وعلى نحو لم يكن مبرراً، سياسياً أو أخلاقياً، في اجتياح بيروت في أيار الماضي.
لكن لمسألة التهديدات المذكورة بُعداً اقليمياً يتعدى الشأن اللبناني الصرف، تقول المصادر الديبلوماسية، مستحضرة ما كشفه الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد قبل أيام من أن بلاده تملك ستة آلاف جهاز للطرد المركزي بعدما كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت أن حجم ما تملكه إيران من أجهزة الطرد لا يتعدى الـ3500 جهاز، وقبل ذلك، إعلان نائب الرئيس الايراني رضا آغا زاده، ان "بدء المفاوضات بين إيران والمجتمع الدولي يمكن أن يؤدي الى حلّ لكثير من المشكلات، كالتي يعاني منها لبنان والعراق".
وترى المصادر في هذه المواقف استمراراً لاستراتيجية طهران في رهن لبنان عبر سلاح "حزب الله" وربطه بأجندة مفاوضاتها مع المجتمع الدولي الى حين إنجاز تسوية ملفاتها وفي طليعتها المسألة النووية، لكنها تشدد على عنصرين رئيسين في مقاربة هذه المواقف: الأول، ان المجتمع الدولي ماض في ضغطه على النظام الايراني لوقف عمليات التخصيب، وإذا كان لم يستخدم حتى الآن إلا أسلوب الحوافز إلا أن سلة خياراته، بما فيها العقوبات على أنواعها، لا تزال واسعة.
والموقف الثاني، ان تمسك القوى الاستقلالية في لبنان بخياراتها المرتكزة على منطق شرعية الدولة وعدم الاستسلام الى الضغوط الداخلية والاقليمية مهم جداً ومن شأنه أن يعيد تجديد الالتزام الدولي تجاه أولوية المسألة اللبنانية.
وتشير المصادر الى ان دولاً عديدة تراقب الحراك القائم على هامش مناقشة البيان الوزاري وتطورات الأوضاع وما ستؤول اليه الأمور تمهيداً للبناء عليه، هي لأجل ذلك، وقطعاً لمقولات التدخل الخارجي في الشأن اللبناني، لا تهدف الى التدخل في المناقشات القائمة والمرتقبة حول القضايا الخلافية في لبنان من دون أن يعني ذلك تخلياً عن دعم الخيارات السيادية في هذا البلد من خلال المضي بدعم الشرعية ومؤسساتها الى حين انجاز الانتخابات وتبيان ما ستحمله، وبعد ذلك تبدأ مرحلة جديدة.