خلافات البيان الوزاري تعكس الصراع بين مشروع الدولة والاستئثار بها
سلاح <حزب الله> في خضم الخلاف والنقاش بين اللبنانيين لأول مرة
أظهرت وقائع مناقشات إعداد البيان الوزاري للحكومة الجديدة، أن <حزب الله> وفريقه الحكومي، يبذلون ما في وسعهم ومن خلال الاعتراضات والتحفظات اللامنطقية التي يطرحونها، إظهار حجم ثقلهم السياسي في السلطة في هذه المرحلة بعد استعمال <سلاح الحزب> في الصراع السياسي الداخلي في السابع من أيار الماضي، والسعي قدر الإمكان لاستغلال ضغط هذا السلاح في تحقيق أحد أمرين أساسيين:
الأول، إبقاء الدولة اللبنانية، أسيرة لدى <حزب الله> وأتباعه ومخططاته ومصالحه الإقليمية، على حساب مصالح الدولة والشعب اللبناني كما كانت الحال عليه منذ قيام هذا الحزب وحتى اليوم، والاستحصال على تشريع رسمي متواصل وبلا نهاية لسلاحه، الذي استعمل في قتل مئات اللبنانيين في الآونة الأخيرة وتدمير مناطق لبنانية عديدة، بعد أن تعطل استعمال هذا السلاح في مقاومة اسرائيل بعد حرب تموز التدميرية، التي تسبب بها الحزب بعد خطف الجنديين الإسرائيليين من وراء الخط الأزرق، بقرار منفرد، تحمّل وزره كل اللبنانيين دماراً وقتلاً وخسارة اقتصادية باهظة·
فالحزب، يريد من وراء كل التحفظات والاعتراضات، تبرئة نفسه من مسؤولية استعمال سلاح <المقاومة> المخصص لمواجهة اسرائيل، ضد المواطنين اللبنانيين، في بيروت والجبل والبقاع والشمال، وكأن شيئاً لم يحصل، والاستحصال على ترخيص رسمي بإمكانية استعمال هذا السلاح ضد اللبنانيين متى شاء الحزب وأراد، كما يبشر بذلك أكثر من مسؤول فيه اللبنانيين باستمرار·
الأمر الثاني، استمرار تعطيل قيام الدولة في لبنان، وإبقاء هذا المشروع الذي يسعى اليه كل لبناني مخلص، مجرد حلم غير قابل للتحقيق، أو التنفيذ على أرض الواقع، وذلك من خلال الإمعان في فرض الشروط التعجيزية ووضع العصي في دواليب عربة انطلاق الدولة، وشل أي إجراء حكومي لبسط سلطة الحكومة وسيادتها على جميع الاراضي اللبنانية، وعدم تمكينها من القيام بالمهمات المطلوبة منها في إيلاء الاهتمام بشؤون المواطنين المعيشية والأمنية والخدماتية وغيرها·
فإذا لم يتحقق ما يريده الحزب ويكون على قياسه، وقياس المشروع الذي ينفذه، ستبقى الدولة عاجزة، ومحكومة بجزر الأمر الواقع وسلطة السلاح <المقاوم> الذي انتشر في السنوات الاخيرة، ليستقر في مناطق، ليست في مواجهة مع اسرائيل، كما هو الحال في عكار وطرابلس وجبل لبنان وبيروت وغيرها من المناطق الاخرى·
ولذلك، لم تكن ولادة البيان الوزاري المنتظر، كما سائر البيانات السابقة، بل ستكون هذه الولادة نموذجاً، لما ستكون عليه قرارات الحكومة العتيدة وخصوصاً ما يتعلق منها بالمسائل والقضايا الحساسة والمعقدة المهمة، كالتعيينات الإدارية والأمنية والقضائية والاقتصادية وعلاقات لبنان الخارجية وما شابه·
كذلك لم يكن طرح بعض السياسيين عدم إدراج القرار 1701 في البيان الوزاري للحكومة الجديدة بريئاً، وهو القرار الذي وافق عليه جميع الاطراف اللبنانيين، بمن فيهم ممثلو <حزب الله> في الحكومة السابقة قبل انسحابهم منها، بل كان هذا الطرح مدروساً ومبيّت الأهداف والابعاد التي تصب في مصلحة إعادة لبنان الى اوضاع ما قبل العدوان الاسرائيلي في تموز عام 2006، وتعريضه لشتى المخاطر والاحتمالات الصعبة في هذا الظرف الدقيق التي تمر به المنطقة عموماً· ولا يقتصر ضرر تجاهل إدراج القرار المذكور على المخاطر الامنية والانكشاف ضد اسرائيل واستباحة الدولة اللبنانية برمتها من قبل <حزب الله> فقط، وإنما يعرض هذا الامر مصالح الدولة اللبنانية عموماً وصدقيتها مع الدول الغربية عموماً والصديقة بشكل خاص، لا سيما منها الدول العربية،
ويلحق الضرر الفادح بالتزاماتها تجاه المجتمع العالمي ككل، وهو ما ينعكس سلباً على مستقبل لبنان السياسي والاقتصادي، ويؤدي الى تملص الدول من تقديم المساعدات التي تعهدت بها، لتمكين الدولة اللبنانية من حل مشاكلها المالية والاقتصادية وإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني من جديد·
فمناقشات البيان الوزاري المعقدة والمطولة، تظهر التصادم واضحاً بين مشروعين، مشروع قيام الدولة اللبنانية الذي تنشده اكثرية اللبنانيين المخلصين لوطنهم، والمرتكز على العناوين الاساسية لخطاب القسم الرئاسي ومبادئ الاستقلال والسيادة والديمقراطية، ومشروع إبقاء الدولة اسيرة مخطط <حزب الله> ومصالحه على حساب مصالح اللبنانيين ومستقبلهم·
ولأول مرة يحدث الخلاف الحاد والاختلاف حول استمرارية سلاح <حزب الله> على الشكل الفوضوي والمنفلت على كل الاحتمالات وهو ما كان محظراً على اللبنانيين التطرق اليه من قبل، لا من قريب أو بعيد، وهذا يدل على الانقسام الحاد بين اللبنانيين حول هذه المسألة المهمة والمؤثرة في مستقبل الوطن ككل·
فلا يمكن تجاهل الانقسام الحاصل وتصدع الإجماع الوطني حول مسألة السلاح، بفعل تداعيات حرب تموز أولاً، واندفاع <حزب الله> الى الداخل اللبناني بعدها، لاحتلال وسط بيروت بإيعاز سوري مكشوف ودعم إيراني، ومن ثم استعمال السلاح في الصراع السياسي الداخلي ثانياً·
ولا بد من قراءة هذه الوقائع بدقة، وعدم تجاهلها بدافع الغرور أو التوهم <بالانتصار> الذي يتجلى في هذا الانقسام الوطني الحاد·
