#adsense

البيان الوزاري إحياء لاتفاق القاهرة

حجم الخط

البيان الوزاري إحياء لاتفاق القاهرة

يشبّه المخضرمون في السياسة اللبنانية المشاورات الجارية بشأن دور المقاومة في البيان الوزاري بتلك التي جرت عشية توقيع اتفاق القاهرة في عام 1969. لا بل يصل بعضهم إلى حد اعتبارها نوعاً من التجديد أو الإحياء لمفاعيل هذا الاتفاق الذي وضع لبنان على خط النار الإقليمي، وجعله صندوق بريد متفجر بين مراكز النفوذ في المنطقة.

فقد وجدت الأكثرية النيابية نفسها اليوم في موقع مشابه لوضع الرئيس شارل حلو الذي لم يرَ بداً، في ذلك الحين، من توقيع الاتفاق للخروج من الأزمة الوزارية الطويلة وتفادي تدهور الوضع الأمني في البلاد، من اشتباكات متقطعة ومتنقلة إلى مواجهة شاملة بين الجيش اللبناني والتنظيمات الفلسطينية ومن يناصرها من القوى اللبنانية. وفي هذا الإطار، يروي الوزير السابق فؤاد بطرس في مذكراته التي سوف تنشر في الأسابيع المقبلة أنه قال للرئيس حلو عندما عرضت عليه مسوّدة اتفاق القاهرة عشية توقيعه: «سأجيبك بكلمتين: إما ألّا تقبل به وتندلع المواجهات الآن، وإما أن تقبل به الآن وتندلع الحرب بعد خمس سنوات. عليك أنت أن تختار، ولن أزيد».

مثّلت الاجتماعات المتتالية للجنة صياغة البيان الوزاري أول نقاش جدّي بين السياسيين اللبنانيين في شأن هذه المسألة، بعد تسع وثلاثين سنة على إقرار الدولة مبدأ التخلّي عن حقها في احتكار السلاح على الأراضي اللبنانية. إذ إن بيان حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى أتى في عجالة عملية تقاسم النفوذ بين القوى التي ألّفت التحالف الرباعي ولم يحظ بنقاش جدي. وعلى أية حال، لم يبد في ذلك الحين أن ثمة تبايناً في وجهات النظر بين الحلفاء الأربعة بشأن هذه القضية.

والنتيجة التي يمكن استخلاصها من المداولات والمواقف والتصريحات التي واكبت اجتماعات لجنة الصياغة هي أن لبنان أبعد ما يكون عن فكرة الدولة القوية المحتكرة للسلاح وعن فكرة خروجه من خط النار.

والسبب الأبرز لهذا الواقع هو أن تطور مفهوم الدولة وموقع لبنان في النزاع العربي ـــ الإسرائيلي لدى القوى الإسلامية في الأكثرية النيابية لم يصبح اقتناعاً معمماً على قواعدها، رغم كل ما جرى مع حزب الله في الأعوام الثلاثة الماضية، بدليل أن المكتب الإعلامي للرئيس السنيورة نفى «مقولة» مفادها أنه «يتخذ موقفاً من ذكر كلمة مقاومة في البيان الوزاري»، رغم محاولاته الرامية إلى إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه للدولة ويمكن اعتباره خطوة واحدة باتجاه خلق ضوابط لحركة المقاومة الإسلامية.

وكان لافتاً أن يتخذ رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون موقفاً مغايراً للخط التاريخي المسيحي الرافض في المطلق لامتلاك السلاح من أي جهة غير القوى الشرعية، وأن يربط السلاح بمستقبل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فيما بقيت معارضة القوى السياسية المسيحية في الأكثرية لإقرار مبدأ المقاومة في البيان الوزاري في حدود تسجيل مواقف مبدئية ودون اتخاذ خطوات عملية لترجمة هذه المعارضة. مما يحمل على الاعتقاد أن معظم القوى السياسية المسيحية اقتنعت بنظرية الوزير السابق جان عبيد القائلة: «على المسيحيين أن يتأدّبوا بآداب حصتهم من السيادة».

مهما تكن المخارج التي يحاول صاغة البيان الوزاري استنباطها، وسط ارتباك عام في صفوف قوى 14 آذار والمرجعيات الدولية المتابعة للوضع اللبناني، فإن النتيجة واحدة: لقد انبعث اتفاق القاهرة. غير أن الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أنه انبعاث مع وقف التنفيذ، في المدى المنظور على الأقل، لجملة اعتبارات محلية وإقليمية ودولية، أبرزها أن تنظيماً واحداً يتولى المقاومة، وهو من أبناء الجنوب، وكل تحريك للجبهة مع إسرائيل سوف تكون له ارتدادات تطال القواعد المؤيّدة له، وتداعيات تؤذي حلفاءه، ولا سيما في الموسم الانتخابي الذي قرعت أجراسه.

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل