استخدام السلاح والتهديد به يقوّضان الدولة والحياة السياسية
كان دائماً البطريرك الماروني نصرالله صفير، وما زال، يدعو الى قيام احزاب او كتل او تيارات، تضم في صفوفها وقياداتها، لبنانيين من طوائف ومذاهب متعددة، على مثال ما كان الحال في الاربعينات من القرن الماضي، عندما انقسم لبنان ما بين الحزب الدستوري والكتلة الوطنية، وبعد ذلك ما بين الشهابية وتكتل الوسط، دون ان ننسى حقبة الجنبلاطية واليزبكية، التي وان كانت تحمل أسماء درزية، الاّ ان المسيحيين كانوا ناشطين في صلب كل واحدة منهما.
في تلك الايام – سقى الله تلك الايام – كانت الحياة السياسية في لبنان، تنعم في شكل عام، بكثير من الاستقرار، وبقليل من التشنج الطائفي والمذهبي، لأن اللبنانيين في اكثريتهم الساحقة كانوا يستظلّون دولة موحدة وقوية، على الرغم من بعض الثغرات والاخطاء، وكثر هم اولئك الذين ما زالوا يتذكرون مدى الهيبة التي كانت تتمتع بها القوى الامنية، من جيش، ودرك، وشرطة وضابطة عدلية، وجمرك وامن عام، بحيث وعلى سبيل المثال، كان دركي واحد يخيف بلدة بأكملها، وعدد قليل من الجنود يسيطر على منطقة معينة في غضون ساعات، حتى ان السير خارج المسامير كان يعرّض المواطن الى الغرامة.
* * * * *
العدّ العكسي لبداية التغيّرات التي اسست لفرز اللبنانيين طائفياً، بدأ بعد الانقلاب في مصر العام 1952، وتمدّد الناصرية خارج الحدود الى الدول العربية، وانغماسها في السياسة الداخلية لكل دولة، ولأن لبنان بسبب تنوّعه الطائفي والمذهبي، يتأثر سريعاً بكل ما يدور حوله وقربه، لم يستطع تجنّب المد الناصري الذي شكّل اول ضربة معول في البناء اللبناني الموحّد، ولم يطل الوقت كثيراً حتى وقعت الضربة الثانية، عندما صدّرت الدول العربية، المقاومة الفلسطينية التي انهارت في الاردن، الى لبنان، وعندها بدأ الفرز الطائفي الحقيقي، وتمزقت الاحزاب والتكتلات غير الطائفية، ولجأ كل لبناني الى قطيعه، وانتعشت الاحزاب والتيارات ذات اللون الواحد بفعل الامر الواقع الذي فرض على لبنان، واندلعت حرب مريرة مدمّرة، لم تتوقف الاّ بفضل اتفاق الطائف، ولكن الحرب التي توقفت، لم تساعد على اعادة الامور الى ما كانت عليه سابقا، بسبب اخطاء كثيرة وكبيرة وقعت، ليس الآن مجال البحث فيها، وبسبب وجود مقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، ذات عصب مذهبي معيّن.
* * * * *
بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، واندفاع موجة الغضب العارمة التي شارك فيها مئات ألوف اللبنانيين على مختلف طوائفهم ومذاهبهم، ورفعت مجدداً شعارات السيادة و الحرية والاستقلال والوحدة الوطنية، ساد التفاؤل بأن أيام العزّ الوطنية راجعة لا محالة، وان شبح الطائفية سيغيب عن قاموس العيش المشترك، خصوصا بعد مصالحة الجبل، والتحالف العريض ما بين المسيحيين والسنّة والدروز، والذي غابت عنه اكثرية الطائفة الشيعية التي كان لعمودها الفقري حزب الله، حسابات اخرى واهداف اخرى، تبين في ما بعد ان هذه الاهداف والحسابات ليست بالضرورة رفضاً من حزب الله للتحالف مع باقي الطوائف والمذاهب، ولكن لأن حزب الله يريد هذا التحالف وفق شروطه ومبادئه واهدافه ورؤيته، وكان من الجيّد والمفيد، وهنا بيت القصيد، ان التيار الوطني الحر وهو ذو اكثرية مسيحية طاغية قد استجاب لطروحات حزب الله واستراتيجيته ومنطقه، وتظهّر هذا القبول بوثيقة التفاهم أولاً، وبالتفاهم لاحقاً على جميع الخطوات التصعيدية التي قامت بها المعارضة سياسياً وامنياً لإلزام الفريق الآخر بهذه الطروحات والاستراتيجية، وما اعلنه النائب ميشال عون مؤخراً حول المقاومة وسلاحها والتوطين وعودة الفلسطينيين، يظهر بوضوح خط سير تحالف حزب الله – التيار الوطني الحر مستقبلاً.
* * * * *
من حيث المبدأ، يمكن القول ان تحالف التيار الوطني وحزب الله، يشكّل عودة الى التحالفات السياسية غير الطائفية، ويجب التعامل مع هذا التحالف على هذا الاساس، بصرف النظر عن الاقتناع او عدم القبول بمبادئ التحالف، ولكن بشرط ان يكون التحالف سياسياً وفكرياً، ولا يتم اللجوء الى السلاح كما حدث في الامس القريب للحصول على مكاسب سياسية، وكما يهدد هذه الايام بعض المسؤولين في التيار وفي الحزب، وعندها تتحقق امنية البطريرك صفير بوجود تكتلين كبيرين غير طائفيين يتصارعان سياسياً من اجل مصلحة لبنان، ويكون العماد عون بذلك قد توافق مع البطريرك صفير، لو بعد طول قطيعة على المبدأ وليس على المضمون.
في النهاية ليت السيد حسين خليل المعاون السياسي لامين عام حزب الله يوضح اكثر ويفسر للبنانيين ماذا يعني بالقول ان لا لبنان من دون مقاومة، لان علامات استفهام كبيرة وتفسيرات شتى تدور حول هذا القول.
