عنوان المرحلة المقبلة: أزمة التعيينات
يحاول "حزب الله" وحلفاؤه منذ فترة طويلة الى تحقيق هدف محوري ومركزي ألا وهو القبض على مفاصل السلطة في لبنان، كما والإمساك بمفاتيح القرار من داخل المؤسسات. وهو نجح في مواقع وفشل في أخرى، ولعل جولاته النزاعية حول حماية بعض الموظفين التابعين سياسياً وطائفياً له شاهد حي على ما نقول، فالأزمة التي استعرت بين وزارة الداخلية ومدير الأمن العام أفضت إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه، ولكن الحقيقة أن هيبة الدولة عبر الوزير لم تُحترم وبالتالي تم تغليب رأي وادارة الموظف على رئيسه وهكذا كنا امام اضعاف معادلة هرمية الرئيس والمرؤوس وبالتالي فقدنا الدور الحقيقي لمؤسسات الدولة بكل معاييرها ومفاهيمها، فاذا لم يتمكن الوزير، أي وزير من تأديب موظف تابع لوزارته فهذا يعني أننا امام دكاكين وليس ادارات أو دعنا نقول أننا تحولنا من دولة المؤسسة الى دولة المزرعة وهكذا نصبح كمن "في حارة كل مين ايدو الو".
واذا كانت الخطوة الاستباقية للوزراء الشيعة في الحكومة السابقة حين اعتكفوا عشية اقرار مشروع مبدأ المحكمة الدولية سعياً منهم للتعطيل وبالتالي لقطع الطريق على سلوك العدالة الدولية فان الحزب الالهي فشل في ذلك ولم يتمكن من استئخار هذه المحكمة بالرغم من كل محاولاته للتعطيل.
بالأمس ولدى قرار مجلس الوزراء بإعادة رئيس جهاز أمن المطار الى مرجعه العسكري أي الى قيادة الجيش.
قامت قيامة حزب الله، حتى أن السيد نصرالله شخصياً ربط هذه المسألة بأهمية دفاعه عن سلاحه، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن السلاح الباقي حتى الساعة بشكل أحادي بين يدي حزب واحد دون سواه، يعني أن أصحاب هذا السلاح سيستمرون في استعماله، واستعمال السلاح ليس بالضرورة فقط في العمليات العسكرية بقدر ما هو اداة للضغط على الآخرين والتهويل به كما والتهديد بواسطته.
ان الميليشيا بامتياز التي ترفع شعار المقاومة اليوم تحكم وتتحكم بالسياسة اللبنانية عبر فرض ارادتها على النظام اللبناني، فهؤلاء لن يكتفوا بعد اليوم بأن يكونوا المرجعية الحصرية لتسمية الوزراء والموظفين التابعين لهم، بل هم سيفرضون مشيئتهم في تسمية قائد الجيش ومدير المخابرات وكبار القضاة والسفراء وبعده سيتحولون الى فرض رأيهم في كل التعيينات والتشكيلات والمناقلات.
والسؤال الواجب طرحه اليوم وبإلحاح: ما الذي تغير اذاً في هذا المجال بعدانسحاب جيش الاحتلال السوري من لبنان؟ ولانعاش ذاكرة اللبنانيين. فإن عملاء سوريا في لبنان عشية إنسحاب جيشها كانوا يبحثون عن محج خلاص، وكما يقولون على الطريقة اللبنانية "كان بدهم السترة".. حتى أن بعض هؤلاء كان يفكر في الإقامة في سوريا، الفرق الواضح والوحيد بين الأمس واليوم ان جماعة سوريا في لبنان زادوا واحداً، وهذا الواحد كان مزروعاً أساساً بيننا ولكنه كان مجهولاً ظاهرياً بإنجاح مهمته التي بدأها منذ سنوات طويلة، ولعل هذا المتعاون النائم مع السوريين هو وحده من استطاع تأمين الحجة الدامغة لادخالهم صباح ذاك اليوم المشؤوم من شهر تشرين الأول عام 1990.
الواضح أن مشوار "ثورة الأرز" لم ينته بعد، والواضح ايضاَ ان مسيرة 14 آذار مستمرة في الزخم ذاته طالما أن القضية لم تنتصر بعد، والنضال لا ينتهي عندما يتعب شعبنا بل عندما يحقق انتصاره.
المعركة المقبلة هي معركة التعيينات، وهذه المرحلة قد تكون الأصعب لأنها ستؤسس للمستقبل، كون الحكومة الحالية لن تعمر سوى أشهر معدودة ولن تبدل في واقع الحال كثيراً، والتعويل عليها يقتصر على مسألة التعيينات، ولكن تبقى هذه التعيينات بأهمية في مكان أنها سوف تتحكم بالمصير وسوف تهيمن في نتائجها على التطورات التي قد تحصل وعلى كل المستويات. ولعل تعيين قائد الجيش عبر إجادة ختياره من دون الرضوخ لتهديد حزب الله أو مجرد السماح له بالتدخل في تسميته لأنه في الأول والأخير لا يحق لهذا الحزب أو لغيره حتى إعطاء رأيهم، كون الأمر يجب ان يتم من خلال المؤسسات الرسمية، ويجب ان يبقى لفخامة الرئيس الرأي الراجح في هذا التعيين لعدة اعتبارات، والأهم من كل ذلك أن لا يكون لمن لا يزال حتى الساعة يصنّف نفسه الأب الروحي والفعلي والقائد الدائم للجيش اليد في هذه التسمية لأنه حتماً يريد تسخير هذا الأمر لمصلحته الشخصية كما كان يفعل دائماً.
ولأن حزب الله لن يسلّم بالهين في مسألة التعيينات، فاننا سنراه كيف سيتشرّس من أجل إنهاء ملف التعيينات بالشكل الذي يتناسب ومشروعه الطويل الأمد، ولكن يبقى دور وزراء الأكثرية وكذلك دور الرئيس فؤاد السنيورة الذي نعلم تماماً انه لا يفرط ابداً بلبنان، كون الرجل الذي حافظ على الدولة في أصعب الظروف سيعرف تماماً كيف يعبر باتجاه المراحل القادمة.
ولعل التعويل على مسألة التعيينات واعطائها هذا الحيز من الإحاطة يعود الى ان حزب الله انتقل في الآوية الأخيرة عبر مشروعه الذي كان يعمل له من خارج المؤسسات ليتحول اليوم في تكتيكه الجديد الى داخل الدولة عبر زرع التابعين له ليكونوا الأداة الطيعة والسهلة للعبور الى مشروع الجمهورية الاسلامية الذي لم يتبدل ولم يتغير قيد أنملة فيه، وطبعاً عندما يمسك هذا الحزب بمفاصل الدولة يكون عملياً وفعلياً قبض على السلطة فيها وبذلك تصبح الجمهورية اللبنانية بأكملها بتصرف الحزب. وتالياً نتحول شيئاً فشيئاً إلى أهل ذمة، وكل من لا يكون ضمن اطار الحزب وتركيبته أهل ذمة، ولنتذكر ونعود قليلاً إلى الوراء، يوم كان حزب الله لا يعترف اساساً بالجمهورية اللبنانية، فلا يترشح ولا ينخرط في مؤسسات الدولة، وهو كان في الوقت عينه يبني مؤسساته الرديفة لمؤسسات الدولة، وبعد إنجازه لها جاء الوقت لإجهازه على الدولة من داخل الدولة.
المعركة القادمة صعبة جداً، ولكن في الوقت ذاته يجب تحقيق الربح علنّا ننهي بدعة زمن الانتصارات.
