Site icon Lebanese Forces Official Website

حزب الله والتشنج الذي يوحي.. بالذعر

صراخه يتزامن مع تصعيد إيران في العراق وغزة وفي ظل "فتور" في العلاقات بالأسد ووسط استعدادات لحرب "غير شعبية"
"حزب الله" والتشنج الذي يوحي.. بالذعر

يُلاحظ كثير من السياسيين أن "حزب الله" متشنّج كثيرا، أقلّه منذ أسبوع، على الرغم من احتفالات النصر التي يُنظّمها كل يوم، تحت عناوين مختلفة، وآخرها "إسقاطه" لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت!

وعلامات تشنّج "حزب الله" كثيرة، فهو إذا أصدر قائد الجيش بالوكالة اللواء شوقي المصري "أمر اليوم" من دون إيراد كلمة مقاومة، على الرغم من التشديد على الإنجازات التي لا يمكن إدراجها إلا على قائمة "حزب الله" كالإفراج عن الأسرى في السجون الإسرائيلية، يبقى مضطربا ويدور حول نفسه الى أن يأتي التعديل مساء، كما حصل أول من أمس. وهو إن تأخر "شركاؤه" في لجنة صياغة البيان الوزاري عن إيجاد الإطار الذي يناسبه لذكر إسم "المقاومة "رفع الصوت تهديدا، مذّكرا بما أقدم عليه في أيار الماضي حين غزا بيروت وحاول أن يغزو الجبل. وهو إن طلب من المعاون السياسي حسين خليل أن يتكلّم، وجد نفسه يستفز اللبنانيين بربط وجود لبنان بوجود "المقاومة". وهو إذا ابتسم الرئيس فؤاد السنيورة، نظّم صفوف "أدواته" ونشرهم على وسائل الإعلام (يوم أمس كانوا على كل الشاشات التابعة أو المتحالفة معه)من أجل أن يشتموا رئيس الحكومة، متأسفين لبقائه في منصبه الدستوري. وهو إذا أراد أن يُثبت العماد ميشال عون تحالفه، فعليه أن يخرج، ولو من دون مناسبة، الى العلن، مزنّرا نفسه بحزام ناسف، ليقوم بعملية إستشهادية لمصلحة "لبنانية المقاومة وأبديتها"؟

إلا أن هذه الملاحظة تبقى مشفوعة بعلامة الإستفهام، إذ إن الجميع يبحث في أسباب هذا التشنج الذي يُخرج "حزب الله" عن طوره، فهل ثمة ما هو مطلوب منه ويفوق قدراته الفعلية؟ أم أنّه يرى في أفق المنطقة ما يُثير هلعه؟ أم أنه مضطر لأسباب ارتباطاته الإقليمية أن يرفع الصوت حتى يصل الى مراكز القرار الدولي؟ أم أنه أصبح مُدمنا على تسجيل الإنتصارات، بحيث يعمل من أجل تصوير صدور البيان الوزاري بأنه إنتصار، تماما كما جعل من إستقالة إيهود أولمرت إنتصارا؟

ثمة من يعتقد أن المسائل مترابطة لدى "حزب الله"، للأسباب الآتية:
أوّلا، من يُدقّق بسلوكية إيران في مناطق نفوذها يُدرك تماما أن طهران تقود القوى المرتبطة بها الى زعزعة "الإستقرار، ففي العراق، وبصورة مفاجئة مرتبطة بمهلة الأسبوعين التي أُعطيت لها حول ملفها النووي، عادت العمليات الإرهابية الى تحصد مئات المواطنين الأبرياء، وفي غزة سارعت حركة حماس، من دون مقدمات مُقنعة، الى الرد على دعوة الحوار الموجهة من الرئاسة الفلسطينية، بواحدة من أكبر عمليات الإعتقال وأشملها، أما في لبنان فاكتفى "حزب الله" برفع الصوت عاليا، من دون أن يُعرف ما إذا كانت التهديدات التي رفعها، تهدف الى تحمية الأرض أم الى الإستغناء عن إستعمال الأرض التي تبدو عصية، على اعتبار أن القوى المسيحية المنضوية في الإطار السيادي هي التي تقود معركة التصدي لـ"تفلت المقاومة "في البيان الوزاري، وبالتالي فإن "العقاب" هذه المرة لا يستهدف العاصمة الساقطة عسكريا ولا الجبل "المهادن"، بل مناطق مسيحية يستحيل المساس بها، اللّهم إلا إذا تمّ اعتبار مواقف العماد عون بأنها كناية عن قنابل لسانية هدفها إسقاط ثوابت الضمير المسيحي الوطنية.

ثانيا، توجّس "حزب الله" المستمر من البرودة الحاصلة في العلاقات السورية ـ الإيرانية، منذ اغتيال القيادي عماد مغنية في دمشق، عشية الإعلان عن المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية غير المباشرة بواسطة تركيا، ومحاولة الرئيس السوري بشار الأسد في باريس تصوير نفسه بأنه معادلة قائمة في ذاتها في التحالف مع إيران، في حين أن إيران تريد أن يبقى الأسد ورقة في يدها، لتضعها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية وليس على طاولة تحسين مواقع فرنسا التي تُسلّم قرارها بالمسألة الإيرانية الى نتائج النقاش المستمر بين واشنطن وتل أبيب.

ثالثا، يتصرّف "حزب الله" في المناطق البقاعية على قاعدة أن المواجهة مع إسرائيل حتمية، وهو في الآونة الأخيرة يتعمّد أن يُخفض صوته، كلما حاول أن يطمئن ناسه بأن لا حرب في الأفق. وهو بإصراره على أن يرد ذكر "المقاومة" في كل تصريح أو بيان، يبدو كأنه في وضعية من يحتمي بكل الدولة، على اعتبار أن المجتمع الدولي يُدرك تماما أن إسرائيل، في أي حرب مقبلة، لن تقتصر ضرباتها على "حزب الله" بل ستُوسّعها على كل الدولة التي تتبنّى "حزب الله"، ما يعني أن "حزب الله" يريد أن يحتمي بالضغوطات التي سوف تُمارس على إسرائيل لتجنيب لبنان خراب عدوان واسع، لا يحتمل عدم تحقيق أهدافه، مرة ثانية. ووفق العارفين، فإن "حزب الله" لا يريد الدخول في مواجهة مع إسرائيل قبل الإنتخابات النيابية المقبلة، لأن قواعده الشعبية غير مؤهلة لتحمّل حرب تدميرية جديدية، وهي التي لم تخرج بعد من العوارض الكارثية لحرب تموز 2006، ودليله على ذلك حركة الهجرة والنزوح التي رافقت تهديد نصرالله بالحرب المفتوحة على إسرائيل، غداة إغتيال مغنية، ما اضطره الى الإطلالة مرتين متتاليتين، من أجل التراجع عن عبارته وتاليا طمأنة المقيمين في مناطق نفوذه حتى يخرجوا من حالة الهلع التي عاشوها.

رابعا، بات "حزب الله" يُدرك أن الزمن اللبناني لم يعد في مصلحته، فالدينامية اللبنانية تتقدم باضطراد، فهو، وللمرة الأولى في تاريخه، يرى نفسه في وضعية الصراع على مدى ثلاثة أسابيع، لإدراج حق المقاومة في بيان وزاري، بعدما كان هذا الموضوع مسلّما به سابقا. وخطورة هذه المسألة في ذهن "حزب الله" أن المحرمات سقطت لدى اللبنانيين تجاهه، على اعتبار أن النقاش غير المسبوق الذي شهدته لجنة البيان الوزاري، يأتي على الرغم من "صراحة التخوين "و"إلتباس الإغتيالات" و"دعايات النصر" وأوجاع غزوة أيار الماضي. وفي علم السياسة أن "الجرأة" عملية تراكمية، بمعنى أن ما يُنتزع اليوم يُطالب بضعفه غدا، ومن يصمت اليوم يتكلّم غدا، ومن يهمس اليوم يصرخ غدا ومن يستشرس دفاعا اليوم لأسباب إنتفاعية ـ كحالة العماد ميشال عون ـ قد يعود الى "أصله" غدا فيستشرس مهاجما. والطامة الكبرى لدى "حزب الله" تتجلّى في العاطفة الشعبية التي يراها "تُحيط" بالقوى المناوئة له التي تخسر إن "اعتدلت" وليس إن "تصلّبت"، ما يجعله لا يطمئن الى أصوات الصامتين اليوم عندما يتكلمون غدا في صناديق الإقتراع، مع إدراكه، بالإستناد الى دراسات أجراها لنتائج الإنتخابات الطالبية والنقابية في السنتين الأخيرتين، أن العماد ميشال عون يستفيد من الصوت الشيعي ولكن "حزب الله" لا يستفيد من الصوت المسيحي، بمعنى أن العاطفة المسيحية التي تحمي عون هي عاطفة محصورة به ولا يمكن تجييرها لمصلحة "حزب الله"، وتالياً فهو لا يستطيع أن ينام على حرير الإنتخابات النيابية المقبلة ليُعوّض غدا ما بدأ يخسره، اليوم.

على أي حال، من يُدقق بالمكوّنات الإنشائية التي إستعملها الرئيس نبيه بري للحث على الإنتهاء من صوغ البيان الوزاري، يكتشف أن بري كان يُخاطب الأكثرية وكأنها القوة التي يجب أن تمنح الأقلية ما تريده على أساس أنها هبة الى ضعيف، فهو عندما يستغرب إطالة أمد النقاش حول البيان الوزاري مستغربا هذا التأخير، لا يتوجّه بكلماته الى الطرفين المعنيين بتجميد الإنتاجية، رفضا وقبولا، بل الى طرف الأكثرية حصرا، وكأنه يقول لها ما بالك تُصارعين من أجل إرساء ثوابت مستقبلية… مفروغ منها؟

Exit mobile version