معمودية أولية للحوار؟
لا يُلام اللبنانيون إن هم قلبوا شفاههم استخفافا حيال المولود السياسي الجديد المسمى بيانا وزاريا او حصروا اهتمامهم به بناحية واحدة هي قياس الارباح والمكاسب لاطراف الحكومة على سبيل الاستدلال فقط لتطور الصراع الداخلي العميق في المرحلة الممتدة من اتفاق الدوحة حتى وضع هذا البيان.
فالسائد الآن وحتى يطرأ تحوّل اقليمي ضخم يدير دفة التطورات في المنطقة ويلفح برياحه لبنان، او الى موعد الحدث اللبناني الحاسم مع الانتخابات النيابية، هو ان لبنان يدار بميزان القوى، بل بميزان القوة، وليس بميزان المعايير الدستورية الجادة.
ومع ذلك ثمة ايجابية اساسية في البيان الوزاري لا تتصل بمضمونه مقدار اتصالها برمزيته ودلالاته السياسية وهي انه يشكل الوثيقة المشتركة الاولى للغالبية والمعارضة، برعاية رئاسة الجمهورية ومشاركتها بطبيعة الحال، منذ انفجار الصراع السياسي والامني في البلاد عبر مراحله المتعاقبة منذ اكثر من عامين ونصف.
قد لا يعني هذا التطور الكثير بالنسبة الى اللبنانيين الذين يدركون ان التعايش القسري داخل الحكومة هو اشبه باغماد السكاكين الطويلة موقتا ريثما يحين موعد المنازلة الكبرى في الربيع المقبل. ولكن المضي في إغفال اهمية بعض التطورات ذات الدلالات ولو الظرفية يغدو في المقابل ضرباً من العبثية والسلبية العمياء. فحتى لو وقع البيان الوزاري في خانة حقبة متغيرة من الصراع تضفي عليها بعض "رتوش" التجميل، لا يمكن التغافل عن اهمية الحقبة التأسيسية للحوار التي صرفتها اللجنة الوزارية المكلفة وضع البيان الوزاري طوال نحو ثلاثة اسابيع. وبذلك ربما تغدو الاهمية الفعلية للبيان الوزاري خارج مضمونه الذي لم يأت مفاجئاً لأحد ما دام يكرس واقع ازدواجية سلاح المقاومة وسلاح الشرعية ويعجز عن ارساء الوصفة الناجعة له. وهذه الاهمية تتصل بتدريب اولي على الحوار بعد طول حقب صراعات متنوعة ومتلونة باتت معها الحكومة، على علتها الهائلة في الولادة والتركيبة، ملتزمة التزاما قاطعا المضي في المراحل اللاحقة لانها نجحت في مكان واحد حتى الآن لا يجوز انكاره وهو الاقلاع نحو الطريق الطويل للحوار، حتى لو كان كثيرون يشككون في نتائجه سلفاً.
ثم ان النقطة الجوهرية الاخرى التي يمكن ابتداعها واستخلاصها، في سياق السعي الى تظهير بعض الثقة بالطبقة السياسية على ضفتي الغالبية والمعارضة برعاية العهد، هي ان البيان الوزاري يمكن اعتباره بمثابة الوثيقة اللبنانية الصرفة مئة في المئة، مهما شابها من انتهاكات مبدئية لمبدأ وحدانية الدولة.
لا يخفى على اللبنانيين ان التعويض عن الفشل في حصر مسألة التحرير بسلاح الدولة والاضطرار تكرارا الى لحظ صيغة لتعايش الدولة والمقاومة جاء عبر الاصرار المتكرر على ربط كل مضمون البيان الوزاري بالدولة. ومع ذلك، فان الامر من المقياس النسبي لواقع قاهر لا يبدو بالقتامة التي ترسمها الانفعالات الاولية حيال هذا البيان. فاذا توفرت سياسات مدافعة حقا عن النصوص في المرحلة المقبلة، فان ما ادرج في البيان الوزاري من مبادئ تفصيلية حول وحدانية الدولة سيوفر للمدافعين كمّاً كافياً لاعلاء ثقافة الدولة على الاقل وتعميمها كوسيلة حصرية بالغة الاهمية يمكن عبرها تصويب مسار الصراع السياسي وجعل الدولة القضية التي لا قضية تعلوها وموضوع الاستفتاء الحاسم في الانتخابات.