سلطة <السلاح> لم تفلح في فرض صيغة البيان الوزاري السابق حول <المقاومة>
ممارسات الأطراف مستقبلاً تكشف جدية الالتزام بمضمون صيغة الإجماع الوزاري
طوت مناقشات عملية تأليف الحكومة الجديدة ومناقشات مسودة البيان الوزاري، مرحلة من التجاذب السياسي الحاد بين تحالف قوى 14 آذار، وقوى الثامن من آذار، عكست واقع موازين القوى السياسية في السلطة، وأظهرت محاولات حثيثة من قبل قوى التحالف السوري – الايراني المشترك بقيادة "حزب الله" لاستغلال هيبة السلاح ومفاعيل الاعتداء على بيروت والمناطق، لفرض صيغ قديمة متجددة لسلاح الحزب، لا تراعي توجهات معظم اللبنانيين ونظرتهم الى هذا السلاح، بعد المتغيرات التي حصلت بعد حرب تموز منذ عامين، وسقوط كل الخلافات الوهمية التي لفّت هذا السلاح بعد غزوة بيروت في السابع من ايار الماضي وتلوثه بدماء اللبنانيين الأبرياء في الجبل والبقاع والشمال على حد سواء، وأسست لمرحلة سياسية جديدة تظهر بوضوح بوادر اعادة زمام الأمور لسلطة الدولة، بعد التراجع الحاد الذي اصابها من جراء امعان "حزب الله" في ضرب هذه السلطة واضعاف هيبتها ومد خريطة الجزر الأمنية التي يسيطر عليها الى مناطق جغرافية بعيدة كل البعد عن مستلزمات مناطق وجوده الأساسية·
وتظهر صيغة مسودة البيان الوزاري المعلنة وجود فارق بارز، بين ما سعى اليه التحالف السوري – الايراني لإدراجه في الصيغة المذكورة وبين ما تم الاتفاق عليه في النهاية، وهو يتعارض في جوانب عديدة مع توجهات وطموحات هذا التحالف، وتؤكد نجاح التوجه الأكثري في تكريس سلطة الدولة كمرجعية تقريرية وتنفيذية في الإمساك بزمام الأمور وإشراك الشعب والجيش اللبناني في المسائل والقضايا المتعلقة بتحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة في شبعا وجوارها بعدما كانت هذه المسائل متفلتة في البيان الوزاري للحكومة السابقة وشبه محصورة بحزب الله وغير خاضعة لمرجعية الدولة اللبنانية·
ولا شك أن الصيغة المتفق عليها لمسودة البيان الوزاري، تؤشر بوضوح لمنحى انطلاقة الحكومة الجديدة والعهد الجديد، في المسائل والقضايا الأخرى المتعلقة بمرحلة ما بعد الخروج السوري من لبنان، وهي مرحلة مغايرة لكل ما يطمح إليه التحالف السوري – الإيراني من محاولات، لإبقاء سلطة الدولة مكبلة بتجاوزات وانفلات سلاح الحزب تحت ستار المقاومة كما حدث من قبل ويحدث الآن، وذلك لمنع بسط هذه السلطة بشكل طبيعي على كل الأراضي اللبنانية والاستمرار في استغلال مسألة تفلت السلاح، لاستباحة الدولة وجعلها غيرقادرة على ممارسة نفوذها، لئلا يؤدي هذا الواقع الجديد إذا حصل الى كبح جموح النفوذ الإيراني – السوري المشترك في لبنان ومنعه من استغلال لبنان كساحة لتحقيق مصالحه الإقليمية والدولية·
وتظهر نتائج المناقشات المطولة لمسودة البيان الوزاري، استحالة فرض صيغ محددة لقضايا ومسائل وطنية مهمة بغلبة السلاح "المقاوم" او غيره، مهما كانت مفاعيل هذا السلاح وتفوقه على الاطراف السياسيين الاخرين الذين لا يملكون ميزة موازية، بل تؤكد سقوط هذا المنطق، على الرغم من كل محاولات التحالف السوري الايراني، الظهور بمظهر المنتصر "الوهمي" لتبرير صوابية الشعارات الفضفاضة ولارضاء قواعده الشعبية من جهة ثانية·
فالادعاء من قبل بعض اطراف هذا التحالف بعدم اهمية ادراج الصيغة الواردة في البيان الوزاري للحكومة السابقة حول موضوع المقاومة، لان المقاومة لا تحتاج الى مثل هذا الامر في تحركها لمواجهة اسرائيل، وهي لا تحتاج ايضاً الى موافقة اللبنانيين المعترضين عليها، لا يتطابق مع المحاولات المستميتة لهذا التحالف خلال المناقشات الماراتونية الطويلة لادراج نص الصيغة السابقة في مسودة البيان الوزاري الجديد، او وضع صيغة مماثلة لا تختلف عن مضمون سابقتها، وتفسيراتها ومفاعيلها التي كانت تشكل الغطاء لكل التحركات الانفرادية لحزب الله، ان كان في التحرك المسلح ضد اسرائيل، او الانفلاش في الداخل اللبناني ونشر السلاح "المقاوم" وتفريخ التنظيمات والاحزاب المليشيوية لتقويض سلطة الدولة والقاء القبض على قرارها السياسي·
ومهما كانت التفسيرات التي يحاول كل طرف سياسي توظيفها لصالح "انتصاره" في صيغة مسودة البيان الوزاري الحالي، الا ان الثابت هو وجود إجماع على دور الدولة في ادارة زمام الامور في البلد، خلافاً لكل ما يسعى اليه كل طرف سياسي مسلح، لا يرغب بقيام الدولة في بسط سلطتها ونفوذها على كل لبنان·
اما الادعاء بإمكانية تجاهل ما تم الاتفاق عليه وتكرار اللجوء الى السلاح، اما في المواجهة مع اسرائيل، او في الداخل اللبناني، وبشكل مزاجي وانفرادي وبمعزل عن الاجماع الحاصل، فهذا يعني في النهاية عدم الالتزام بسلطة الدولة وتجاهل قراراتها والاستمرار بنهج استعمال لبنان كساحة للصراع الاقليمي ولتحقيق المصالح السورية او الايرانية على حساب مصالح الشعب اللبناني ومستقبله، وبكلمة اصح رفض قيام مشروع الدولة الذي يطمح اليه كل لبناني مخلص لوطنه·
ولذلك، لا يمكن التكهن بالالتزام بما يتم التوصل اليه، ولكن الامتحان في تطبيق هذا الالتزام وهو ما تكشفه الايام المقبلة·