Site icon Lebanese Forces Official Website

البيان الوزاري بين نصّ “مقاومة لبنان” وواقع المقاومة الإسلامية في لبنان

محاولة جديدة لـ"لبننة" حزب الله وإقناعه باستخدام طاقاته في حماية الوطن بدل التفريط بها على مذابح الطموحات الإقليمية
البيان الوزاري بين نصّ "مقاومة لبنان" وواقع "المقاومة الإسلامية في لبنان"

لا تولي البيانات الوزارية أيّ جهة كانت حقوقاً دائمة، لأن البيانات الوزارية بكل مندرجاتها التي لا يتم تكريسها بتعديلات دستورية أو قانونية، تنتهي بانتهاء الحكومة التي صاغتها. وهذا يفيد أن ما ورد في مسودة البيان الوزاري في خصوص "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته(…)" يصلح فقط حتى انتهاء الانتخابات النيابية المُزمع إجراؤها في أيار المقبل، أي أن هذا النص يُغطي فترة لا تزيد عن تسعة أشهر.

وفي اعتقاد أوساط سياسية لبنانية أن كل قراءة لما تضمنه البيان الوزاري تتخطى هذه الثابتة المرحلية، تكون قراءة خاطئة، ولذلك فإن "حزب الله" لا يستطيع أن يدّعي تحقيق انتصار بمجرد ورود ذكر عبارة "المقاومة" في سياق "تصح فيه كل التفسيرات"، ولا الأكثرية تستطيع أن تدّعي أنها كرّست أعادة الاعتبار الى الدولة بمفهوم ديناميتها الدستورية، ولا القوى القابعة على يسار حركة الرابع عشر من آذار كحالة العميد كارلوس إده، يجوز لها أن تقيم مجالس عزاء!.

ووفق هذه الأوساط السياسية، فإن تطبيق البيانات الوزارية لحكومات ائتلافية كحالة الحكومة الحالية المنبثقة من معادلة اتفاق الدوحة، تبقى خاضعة لميزان القوى، على اعتبار أن ما أوجب النص هو تسوية سياسية بين مكوّنات تُدرك أنها تريد تقطيع مرحلة، وليس إرساء مفاهيم ثابتة خصوصا أن الجميع يضع باعتباره استحقاقين، يتمثل الأول ببدء أعمال طاولة الحوار الوطني في القصر الجمهوري حيث تُعتبر الاستراتيجية الدفاعية بما فيها البحث في إنهاء حالة "حزب الله" المسلّحة، الطبق الرئيسي على المائدة الوطنية، في حين يتمثّل الاستحقاق الثاني بالانتخابات النيابية الوشيكة التي من لدنها سينبثق الفريق الأكثري الذي يُفترض أن يحكم لبنان ولو بالحد الأدنى من مبادئه العامة.

وتأسيساً على تحكّم ميزان القوى بتطبيق البيان الوزاري للحكومة الحالية، فإن ادّعاء "حزب الله" تحقيق انتصار بمجرد إيراد عبارة "مقاومة لبنان" مثير للسخرية، على اعتبار أن "حزب الله" ـ قبل البيان الوزاري ـ قوة مسلّحة متفلّتة من كل الضوابط، ففي 12 تموز 2006 وعلى الرغم من موافقته على بيان وزاري ينص على احترام لبنان للخط الأزرق قام بخرق هذا الخط لإنجاز عمليته الأمنية التي سمّاها "الوعد الصادق"، وفي 7 أيار الماضي، وعلى الرغم من أن البيان الوزاري لا يجيز استخدام السلاح في الداخل، غزا العاصمة وحاول أن يغزو الجبل، لا بل انه في خضم النقاش حول الصيغة التي يجب اعتمادها في البيان الوزاري للحكومة الحالية، خرج النائب محمد رعد، مهددا بسلاح السابع من أيار، متجاوزا بذلك التعهّدات التي وقّع عليها بنفسه في الدوحة، حول تحريم استعمال السلاح في الداخل لتحقيق مكتسبات سياسية.

وبهذا المعنى، فإن "حزب الله"، حين يدّعي تحقيق انتصار في البيان الوزاري، يكون في وضعية ذاك الذي يُحاول أن يُسقط الأمر الواقع المحمي بقوة الأمر الواقع على ما انتهى إليه البحث النظري في لجنة وزارية من نتائج نظرية.
وتأسيساً على هذه القراءة التي يُجريها "حزب الله" لآخر "انتصاراته الالهية"، فهو يتجاوز وقائع عدة جعلته يتخلّى عن شرعية مطلقة كانت متوافرة له من أجل الحصول على "شرعية ملتبسة" في النص.

وفي هذا الإطار يمكن التوقف عند الآتي:
أولاً: يفترض البيان الوزاري أن كل البنود الواردة في سياق استعادة الحقوق اللبنانية السيادية من العدو الإسرائيلي، هي من مسؤولية الدولة وفقا لأحكام الدستور، وهذا يعني أن الدولة ليست مفهوماً نظرياً عاماً، أي أرض وشعب ونظام ـ وفق ما حاول أن يشرحه النائب حسن فضل الله ـ بل هي مؤسسات قائمة ولها ديناميتها الخاصة، بحيث يظهر أن قرار الحرب والسلم لتحقيق أي هدف مهما كان ساميا أم مقدسا، هو قرار خاص بالحكومة ، ويقتضي أن يحصل على موافقة ثلثي مجلس الوزارء على الأقل، وتاليا فإن "حزب الله"، في حال أراد تحرير مزارع شبعا بالقوة العسكرية فعليه أن يراجع مجلس الوزارء لأنه في حال لم يفعل يكون في وضعية من خرج عن الإجماع الوطني المتمثل بالبيان الوزاري الى حالة الاستفراد التي "يكرهها" جداً!.
وهذا "الواجب" لم يكن متوافراً في نص البيان الوزاري السابق الذي في ظلّه ذهب "حزب الله" مستأثراً بالقرار، الى ما وراء الخط الأزرق ، على اعتبار ان البيان الوزاري أعطاه حق تحرير الأسرى في السجون الإسرائيلية.

ثانياً: إن "التذاكي" اللغوي الذي يعتمده "حزب الله" لتبيان "الانتصار" في البيان الوزاري يأخذ "حزب الله" الى المقلب الآخر، بحيث يظهر أن "مقاومته" لم تعد موجودة، ذلك أن البيانان الوزارية لا تستطيع أن تعترف بأي مكوّن، إن قفزت فوق تسميه باسمه الرسمي، فهل فعلت ذلك بما يختص بالمقاومة التي يقودها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله؟.
الجواب وبشكل حاسم: لا، لم يفعل البيان الوزاري ذلك.

وبالفعل، فإن العودة الى الفقرة 26 من مسودة البيان الوزاري تنص على "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته(…)"، وهذا يعني لغوياً أن اسم المقاومة المعطاة حق المشاركة في إعادة الحقوق الى لبنان من العدو الإسرائيلي هي "مقاومة لبنان" لأن الضمير المتصل "ه" في كلمة "مقاومته" تعود الى لبنان، في حين أن اسم "المقاومة" التي يقصدها "حزب الله" هي "المقاومة الإسلامية في لبنان". ويُدرك الجميع كم الفرق شاسع بين "مقاومة لبنان" و"المقاومة الإسلامية في لبنان".

وهذا النقاش اللغوي يهدف حصرا الى ضرورة أن يُدرك "حزب الله" أن "التذاكي" في التفسير اللغوي ليس في مصلحته، وتالياً هو مدعو الى الإقلاع عنه حتى لا يعتمده الطرف الذي لا يُوافق معه على تفسيراته المنطلقة من محاولته الرامية الى إسقاط الأمر الواقع على النص المتفق عليه.

ثالثاً: إن نص البيان الوزاري في ما يخص حق "مقاومة لبنان"، وبحال تمّ تجاوز التفسير اللغوي، لا يصب في مصلحة "حزب الله" على الإطلاق، فبمجرد الفصل بين الشعب، كصاحب حق أوّل في استكمال التحرير والدفاع عن الأرض والمياه، يعني أن "المقاومة" ليست مقاومة شعبية بل هي غير ذلك.

رابعاً: إن التسلسل في ذكر الفئات "المُحرّرة" له أهمية مطلقة، فبمجرد إعطاء الحق للشعب أولاً، فهذا يفترض توافر الإجماع من كل مكوّنات الشعب اللبناني، ومن ثم إن ورود ذكر الجيش بعد الشعب يعني أنه مطلوب من الجيش، قبل انتقال الحق الى "المقاومة" أن يُعلن عجزه عن القيام بمهمته، وهذا يقتضي العودة الى مجلس الوزارء على اعتبار ان القوات المسلحة تأتمر بقرار مجلس الوزراء وقائدها الأعلى هو رئيس الجمهورية. وهذا يعني بموجب هذا التسلسل أن "مقاومة لبنان" ولتقود هي عملية استرداد السيادة، عليها أن تنتظر إجماع الشعب اللبناني ومن ثم قرار الجيش اللبناني في مجلس الوزراء، حيث يمكن طلب مؤازرة "المقاومة" وفق القاعدة التي تسير عليها في العادة، الميليشيات المسلحة التي لها مفهوم قانوني، أي فئة شعبية مسلّحة تؤازر القوات النظامية.

خامساً: إن البيان الوزاري بهذه الفقرة بالذات أكد التزام لبنان بكل مندرجات القرار 1701 المبني على النقاط السبع التي سبق لمجلس الوزراء أن أقرّها، وهذا يعني أن لبنان يُسلّم بمسؤولية الأمم المتحدة لاسترجاع أراضيه المحتلة وصون حقوقه، وأن "حزب الله" ملتزم بعدم العودة المسلّحة الى جنوب نهر الليطاني، وأن سلاحه لا يُفترض أن يعود موجودا بعد تحقيق الأهداف التحريرية، وذلك كشرط مفروض على لبنان إن كان حقا يريد التوصل الى وقف نهائي لإطلاق النار، والعودة الى وضعية الهدنة، على اعتبار أن التسمية القانونية للحالة القائمة بين إسرائيل و"حزب الله" هي حالة وقف العمليات العدائية.

ماذا يعني كل ذلك؟.
ببساطة، إن البيان الوزاري الذي سيقرّه مجلس الوزارء اليوم، لا يُعطي "المقاومة الإسلامية في لبنان" ما تدّعيه لنفسها من حقوق، فهي لا تستطيع، إن تمّ الطلب منها مؤازرة إيران في ملفها النووي أو مؤازرة النظام السوري في إعادة إسرائيل بعد رحيل إيهود أولمرت عن السلطة في خلال الشهر المقبل الى طاولة الحوار، أن تتستّر بالحقوق اللبنانية وتدّعي توافر غطاء حكومي لها لجر لبنان الى مواجهة مدمّرة مع إسرائيل. وهنا بيت القصيد في بيان وزاري عمره من عمر أدق تسعة أشهر في تاريخ الطموحات الإيرانية وتطلعات النظام السوري.

Exit mobile version