#adsense

قراءة محلية لجبهة “المقاومة” ـ “الممانعة” في المنطقة

حجم الخط

قراءة محلية لجبهة "المقاومة" ـ "الممانعة" في المنطقة!

عاش اللبنانيون ومعهم العرب وبعض المهتمين بالمنطقة في العالم، سنوات عديدة حتى الآن في كنف تعقيدات لفظية في الشكل، مع أن انعكاساتها بالغة السلبية على حياتهم لدرجة أنها قوضت في خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة دولتهم ومؤسساتها الدستورية والشرعية. لفظية لأنها لم تخرج ولو للحظة عن كلمتين اثنتين باتتا عنواناً للخطاب السياسي المهيمن طرحاً ونقاشاً ورد فعل في لبنان وعلى امتداد المنطقة: "الممانعة" من ناحية و"المقاومة" من ناحية ثانية.

ومع أن للكلمتين معنيين مختلفين في الأساس، إذ تعبر أولاهما عن الرفض السلبي لواقع ما أو لسياسة ما، فيما تنحو الثانية باتجاه الرفض "الايجابي" اذا صح التعبير، بمعنى العمل على ترجمة الرفض عملا ملموسا على الأرض، فالمفارقة أنهما كانتا على الدوام (هل ما تزالان حتى الآن؟) تحمّلان بمفهوم واحد ووحيد، وغالباً بموقف جبهوي من أصحابهما، إلى حد أنهما بدتا وكأنهما مترادفتان لغة… يذكر الأول فيردّد صداه الثاني من دون أي زيادة أو نقصان.

"مقاومون" و"ممانعون" معاً وكتفاً إلى كتف.. من إيران وسوريا، حيث يعيش نظاماً حكم على ممانعة المجتمع الدولي فضلاً عن ممانعة حقوق الإنسان في بلديهما، إلى لبنان والعراق وفلسطين، حيث تنمو منظمات ايديولوجية ـ عسكرية تقاتل في الغالب داخل بلدانها، وضد هذه البلدان، وإن تكن تدعم إيديولوجيا احداهما الأخرى تحت عناوين مثل صد "الاستكبار العالمي" أو اسقاط "مشروع الشرق الأوسط الجديد" الأميركي أو "إزالة اسرائيل من الوجود".

في الشهور الماضية، شهدت هذه "الجبهة" ما يمكن اعتباره تحولين أساسيين، ان لم يكن إزاء الهدف المحدد لها أصلاً فأقله في المقاربة والأسلوب، وإن بقي كل طرف من أطرافها مصراً على اعلان استمرار التمسك بـ"الجبهة" وانتمائه إليها. والتحولان جريا في واقع الأمر، على طرفي هذه "الجبهة".. علناً، حيث يملك القادرون إمكانات الإعلان من دون خوف أو حتى سؤال، ولكن سراً عندما يتعلق الأمر بمن لا يملك مثل هذه القدرات.

ولعل المرحلة الحالية في لبنان تحديداً، وفي المنطقة بشكل عام، تعكس هذه الحالة بدقة ما دام الوضع هنا وهناك ينتظر ما ستؤول إليه المساومات الجارية على قدم وساق إن حول مستقبل الجولان والسلام السوري ـ الاسرائيلي أو حول مشروع إيران النووي ودورها الاقليمي.

لا تقول دمشق وطهران بطبيعة الحال والمصلحة الخاصة بهما، الا أنهما كانتا وتبقيان دولتي "الممانعة" الوحيدتين في المنطقة وإلا أن تحالفهما مع "المقاومة" وتنظيماتها الايديولوجية ـ العسكرية ما يزال قائماً من دون أي تبديل. تماماً كما لا تقول هذه التنظيمات، بطبيعة الحال والمصلحة بدورها، الا أنها باقية على الوعد (الصادق، في الحالة اللبنانية) وأن ما كان على امتداد سنوات ("المقاومة" هنا و"الممانعة" هناك) ما يزال على حاله برغم كل شيء!

وفي القولين كثير من السياسة، بمعناها اليومي التقليدي، لأن فيهما الكثير من التحوط لما يمكن أن تتطور إليه الأمور في المستقبل، على هذه الضفة أو تلك، وأساسا على الضفة الأميركية ـ الايرانية من جهة وعلى الضفة السورية ـ الاسرائيلية من جهة أخرى.

ولعله من هذه الزاوية السياسية بالذات، يمكن النظر إلى إصرار "حزب الله" ومعه حلفاؤه في الحكومة، على إيراد كلمة "المقاومة" (ولو مجردة من مضمونها الذي يلغيه عملياً القرار 1701) في البيان الوزاري، وقبله الاحتفالات المبالغ فيها باستعادة الأسرى وجثامين الشهداء ـ وبينها رفات أحد جنود "جيش لبنان الجنوبي" ـ وقبلهما معاً نزول الحزب وحلفائه إلى بيروت والجبل تحت شعار "تحريرهما" مما سماه "ميليشيات" الأعداء وما يمكن أن تشكله من خطر على وجود الحزب ودوره في "المقاومة".

ومن الزاوية ذاتها أيضاً، يمكن النظر إلى ما يجري حالياً في فلسطين من تبادل قتل واعتقال بين حركتي "حماس" و"فتح"، في الوقت الذي تتبادلان فيه الرسائل حول استئناف الحوار واعتراف كل منهما بـ"الأمر الواقع"، إن في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، الذي تمكنت الأخرى من فرضه.

وكذلك ما يشهده العراق من تبادل اتهامات حول "الدور الايراني" في ما يحدث أمنياً هناك أو حول "المعاهدة الأمنية" المزمعة مع الولايات المتحدة، ومن إعادة اللعب على الوتر المذهبي من خلال العمليات المنسقة بمناسبة الزيارة الكاظمية الخ…

ومنها أيضاً حديث الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد بعد طول صمت في المدة الأخيرة، عن "الانتصارات" الكبيرة التي تحققت في لبنان وتلك التي ينتظرها في المستقبل، فضلاً عن كلام نائبه على توقف "الانفراج في لبنان على نجاح التفاوض مع المجتمع الدولي حول الملف النووي الايراني" (تجاهل الحزب وإعلامه ذلك؟!)، وعلى ما وصفه "الرابطة العضوية" بين ما تفعله إيران وما يقوم به الحزب ليس لبنانياً فقط وإنما اقليمياً ودولياً أيضاً.

في اللحظة السياسية الراهنة، تبدو قوى ما يسمى بـ"المقاومة" و"الممانعة" أكثر تمسكاً بالشعارين حتى ولو من دون مضمون، مما كانت في أية لحظة سابقة. أما السبب فيعود إلى خشية كل منها من أن تؤدي التحولات الجارية بين "الرعاة" فيها والقوى الفاعلة في المجتمع الدولي إلى أي من النهايتين المنطقيتين على حد سواء: النجاح أو الفشل. في الحالة الأولى، لن يكون الثمن (أو جزء منه على الأقل) الا رأس "المقاومة" وتنظيماتها المسلحة التي ما أنشئت الا لهذه الغاية. أما في الحالة الثانية، فربما يكون الدور المطلوب منها للرد على الفشل أكبر من قدراتها الذاتية، وحتى من طاقتها على الاحتمال. ولذلك فهي تبني لنفسها، منذ الآن، قواعد شرعية وقانونية يمكنها الاستناد إليها عندما يأتي الموعد، وللعب دور سياسي مستقبلي فاعل اذا لم يأت، أو لم يكن لهم لزوم.

الصورة الأكثر دقة لهذا الواقع تبدو واضحة في لبنان، وإن لم تكن غائبة تماماً في فلسطين أو في العراق.
وأبرز تجلياتها إنعاشاً للذاكرة فقط، أنه بعد سقوط رهانات "حزب الله" المتعددة على الفراغ الكامل والدائم في الدولة، وانتخاب رئيس للجمهورية سنداً لاتفاق الدوحة المدعوم (بل وحتى الملزم) عربياً واقليمياً ودولياً، وقف "حزب الله" أمام جدار جعله عالياً جداً: "لا مقاومة، اذاً لا لبنان، لا دولة ولا حكومة، ولا حتى تعيين قائد للجيش ومدير للأمن العام ما لم يكن كل منهما مقبولاً من الحزب"!!.

…وحكاية البيان الوزاري للحكومة ما تزال ماثلة للعيون والأذان.
لأن "حزب الله" بات لهذا السبب أو ذاك، أقوى التنظيمات الايديولوجية ـ العسكرية العاملة في جبهة "المقاومة" ـ "الممانعة"، ففي وسعه أن يعبر عن نفسه بالطريقة والأسلوب اللذين يمارسهما حالياً في مواجهة الدولة اللبنانية.
…وتبقى العين على فلسطين والعراق واليمن وربما غيرها من الدول العربية حيث توجد كما يبدو "خلايا نائمة" عدة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل