الاستحقاق الانتخابي يخرج لبنان من المرحلة الانتقالية الى المرحلة التأسيسية
هل ترحّل المواضيع الخلافية الى حكومة ما بعد الانتخابات؟
يلتقي الموالون والمعارضون على وصف المرحلة الراهنة بانها مرحلة انتقالية ينتظر ان يعقبها مرحلة تأسيسية تبدأ مع انبثاق مجلس نيابي جديد من انتخابات نيابية مقبلة وحكومة جديدة تمثل الاكثرية التي تفوز في هذه الانتخابات او تمثل ائتلافا يؤلف هذه الاكثرية لان ايا من الموالين والمعارضين قد لا يحصلون في الانتخابات النيابية المقبلة على اكثرية مريحة تمكنها من الفوز في الحكم من دون ان تكون في حاجة الى اصوات الاقلية.
لذلك، فان اقصى ما يمكن تحقيقه في المرحلة الانتقالية الراهنة، هو المحافظة على وضع سياسي وامني واقتصادي مستقر وترحيل القضايا والمواضيع المثيرة للخلاف الى الحكومة التي ستنبثق من نتائج الانتخابات النيابية المقبلة، لان الحكومة الحالية التي فرضت تشكيلها ظروف استثنائية جمعت الاضداد، قد لا تكون مؤهلة او قادرة على معالجة القضايا الشائكة واتخاذ قرارات في شأنها.
ولان الانتخابات النيابية المقبلة سوف تؤسس نتائجها لمرحلة جديدة يقرر فيها الشعب اي لبنان يريد، فان الموالين والمعارضين يستعدون لمواجهتها منذ الآن، كي يكون الفوز حليفهم فيها. وقد تشهد هذه الانتخابات نظرا الى اهمية نتائجها اكثر من اي انتخابات سابقة تدخلا عربيا واقليميا ودوليا فيها اذا ظل الوضع حتى موعد اجرائها على ما هو عليه الآن، وان اموالا ضخمة قد تنفق فيها بفعل التنافس الشديد بين لوائح الموالاة ولوائح المعارضة.
ويعتمد "حزب الله" في الانتخابات المقبلة بصورة خاصة، على العماد ميشال عون الذي يؤمن لسياسته التغطية المسيحية لذلك يهم الحزب ان يؤمن له كل اسباب الفوز فيها، وان يستخدم حتى الخطاب الطائفي اذا اقتضى الامر، كالمطالبة باستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية او رفع الشعارات التي تثير هواجس المسيحيين ومخاوفهم مثل التوطين وبقاء السلاح في المخيمات.
وكان الرئيس الاسد نفسه قد اعلن في حديث له عام 2000 "ان انسحاب اسرائيل من الجنوب اللبناني لا يعني ان يرمي "حزب الله" سلاحه والسلاح في المخيمات قنبلة موقوتة"، ربما لتبرير بقاء القوات السورية في لبنان.
ولان نتائج الانتخابات النيابية المقبلة هي التي تقرر مصير لبنان كيانا ونظاما وهوية، فان المواضيع المهمة سواء ما يتعلق منها بسلاح "حزب الله" وتحديد اسس العلاقات اللبنانية – السورية، ولا سيما اعادة النظر في الاتفاقات المعقودة بين البلدين سوف يصير البحث فيها، لكنها لن تحسم خلال المرحلة الانتقالية الحالية وبوجود حكومة غير متجانسة قد يتعذر عليها التوصل الى تفاهم في شأنها، وقد يترك بتها للحكومة التي تنبثق من الانتخابات النيابية المقبلة.
ويراهن المحور الايراني – السوري على فوز حلفائه في لبنان في هذه الانتخابات بحيث يصبح لهم الكلمة الفصل في المواضيع المهمة من خلال توليهم السلطة، ولا يعود حتى لرئيس الجمهورية هذه الكلمة مع اكثرية وزارية ونيابية قد لا تكون له اذا ما تعارضت ورأيه وقد يجد نفسه مضطرا الى التعايش معها او مواجهة المتاعب.
وعندما يصبح الحكم في لبنان خاضعا لسياسة المحور الايراني – السوري ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة، فان سوريا ترتاح عندئذ الى مسار المحكمة ذات الطابع الدولي ولا تعود مصدر قلق لها، ويصبح في استطاعة الحكم الجديد في لبنان المنبثق من الانتخابات النيابية المقبلة قادرا على وقف مسارها اذا لم يسلك الطريق الملائم لسوريا وذلك بعدم دفع لبنان ما يتوجب عليه للمحكمة عن السنتين الباقيتين، او بعدم تجديد طلب التمديد لعملها بعد انقضاء الثلاث سنوات المحددة لها بموجب قرار الامم المتحدة، وترتاح ايران ايضا الى الحكم الجديد في لبنان الذي يصبح ورقة ضاغطة في يدها ويجعلها في موقع القوي في مفاوضاتها سواء في موضوع الملف النووي او في موضوع تحقيق السلام الشامل مع اسرائيل.
لكن السؤال المطروح ويختلف جواب قوى 14 آذار عليه حتى الآن هو: هل يمكن اجراء انتخابات نيابية في ظل سلاح "حزب الله" وبوجود مربعات امنية يحظر الدخول اليها حرصا على سلامة قادة الحزب، وكيف يمكن المرشح من قوى 14 آذار القيام بجولاته الانتخابية داخل هذه المربعات او ارسال مندوبين عنه الى اقلام الاقتراع فيها لمراقبة سير عملية الانتخاب ومن ثم عملية فرز الاوراق؟
اضف ان مجرد وجود السلاح يشكل ضغطا معنويا على الناخبين ان لم يرهبهم بدليل ان ما يسمى "المكتب الثاني" في الماضي كان يمارس الضغط والارهاب في الانتخابات بواسطة اعطاء رخص حمل سلاح لمناصري المرشحين المدعومين منه. لذلك لا بد من معالجة موضوع سلاح "حزب الله" قبل موعد الانتخابات النيابية المقبلة من اجل ضمان حريتها ونزاهتها ومنع التدخل المباشر او غير المباشر فيه. واذا كان ثمة من يقول ان الانتخابات النيابية جرت في العراق بوجود السلاح، فان هذا السلاح موجود مع كل الفئات والاحزاب العراقية، وليس كما هي الحال في لبنان اذ ليس موجودا الا في يد فئة او حزب واحد.
