وطن مكتوم الهوية ودولة قيد الدرس
مرحلة الاستشارات والمفاوضات التي سبقت الاتفاق على تشكيل حكومة اتفاق الدوحة، ومرحلة شدّ الحبال، والمواقف المتصلّبة، وبداية العودة الى الخطاب التخويني التي سبقت التوافق المتحفّظ على البيان الوزاري الذي ولد بعاهة خلقية، كشفتا بوضوح ان لبنان يعيش حالة هدنة هشّة بين الأفرقاء المتخاصمين، قد تطول أو تقصر تبعاً لأجندة الدول الغربية وبعض الدول الاقليمية التي تخوض في ما بينها صراعاً قاسياً على مساحة الشرق الاوسط بكامله، الذي يمرّ بفترة هدوء احياناً، فتهدأ الجبهة اللبنانية، واذا مرّ بفترة عاصفة، دفع لبنان ثمن نتائجها وتردداتها.
ولذلك يلاحظ اللبنانيون ان باب التسوية ـ اية تسوية ـ مفتوح نصف فتحة، وكذلك باب الاشتباك السياسي وبالتأكيد العسكري، الذي قد يلجه الفريق الأكثر تسلّحاً على الساحة اللبنانية، وهذا الفريق هو اليوم حزب الله، ولكن غداً قد يكون هو ربما، او غيره من الأحزاب والتيارات التي سوف تصل الى نتيجة من اثنتين، اما القبول بمنطق حزب الله واستراتيجيته والاستسلام لقوته وسلاحه، وأما الذهاب الى أبغض الحلال بتشكيل قوة موازية.
***
وأكثر ما اثار تخوّف قيادات 14 آذار بالنسبة الى سلاح حزب الله، هو التصريح الذي أدلى به النائب ميشال عون منذ أيام، وربط تخلي حزب الله عن سلاحه بمنع توطين الفلسطينيين وبعودتهم الى بلادهم، وهذا يعني، وفق هؤلاء، أن حزب الله الذي رحّل عبارة وجوب ان يكون عمل المقاومة «تحت كنف الدولة» الى طاولة الحوار، لن يقبل، لأسباب عقائدية واقليمية، في اي يوم من الايام، ان «يتكودر» تحت كنف الدولة حتى ولو كانت هذه الدولة، وبكل رموزها ومؤسساتها، تدعم الحزب ومقاومته، فهو يقبل الدعم ولكنه يرفض الوصاية او الشراكة في هذا المجال، لأنه، وفق تصريح عون، ملتزم بمحاربة اسرائيل حتى اعادة الفلسطينيين الى وطنهم، التي قد تطول سنوات وسنوات، وربما قد يلتزم غداً بتحرير كامل التراب الفلسطيني، وهذا امر جيّد ومرحّب به، لكن المرفوض ان يتم ذلك على حساب لبنان وشعبه.
***
كل هذه العوامل والهواجس والمخاوف، تؤدي الى استنتاج واحد، وهو أن لا دولة من دون وطن، وان لبنان الوطن الذي يسعى الغيارى على وجوده وديمومته، الى تحصينه بدولة قوية وقادرة وعصرية وديموقراطية، هو وطن، على ما يبدو، مكتوم الهوية، او وطن قيد الدرس.
ولذلك تتعثر خطوات وجهود ونضالات اولئك الذين ضحّوا سابقاً، ويضحّون اليوم، لاخراج لبنان من علامات الاستفهام والتعجّب، الى عالم الواقع والحقيقة، ولكن جهودهم وتضحياتهم، كانت وما زالت، تصطدم بترتيبات وحسابات وتوجهات واستراتيجيات اخرى، بعضها يريده ساحة لتصفية الحسابات، أو قاعدة انطلاق، او بازار مساومة، والبعض الآخر يريده له هو وحده دون غيره من شركاء آخرين.
ولذلك فان الغليان الدائم الذي طبع وجود لبنان منذ القدم، والذي استفحل في الاعوام الثلاثين الماضية، لن يهدأ ولن يتوقف، وسيبقى اشبه بالبركان الذي يثور كلما اضطرمت النيران في داخله، ونيران لبنان قوية وسريعة الاشتعال والامتداد، وما دام هناك افرقاء لا يساعدون في اهماد الحرائق، بل يصبّون الزيت على النار سوف يبقى اللبنانيون يفتشون عن وطن هويته معروفة ومعلنة، ودولة تخطّت الدرس والسؤال، وقامت على ركائز الحرية والسيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر بوجود رئيس جمهورية واحد، وحكومة واحدة، وجيش واحد، وشعب واحد.
