الأسد بين الخانتين الإيرانية والتركية
خلال زيارة الرئيس بشّار الأسد لطهران، لتوثيق عُرى التعاون الاستراتيجي القائم منذ أكثر من عقدين بين الدولتين، أقدم رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية على ما يشبه رفض العرض الأوروبي و(الروسي)، والذي جرى التقدم به قبل أكثر من شهر في مقابل وقف التخصيب، والإقبال على التفاوض والتسوية البعيدة المدى.
ولا شك أنه ليست هناك علاقةٌ مباشرةٌ بين زيارة الأسد، والموقف من عرض الحوافز. لكنّ الرئيس ساركوزي كان قد طلب من الأسد التوسّط بين إيران والمجتمع الدولي، واستحثاثها على قبول العرض من الدول الستّ.
وكانت الولايات المتحدة قد قالت إنّ أمد الإجابة على العرض ينتهي يوم الأحد أول من أمس في حين كان الأوروبيون مستعدّين للانتظار بضعة أيام اخرى، وكان سولانا قد صرّح أنه سيتصل بالإيرانيين بعد يومٍ أو يومين للاستحثاث وتمديد المهلة في الوقت نفسه. وكانت إيران قد ذهبت إلى أنها قد قدّمت مبادرة بالفعل، وأنّ المطلوب أمران: النظر فيما قدّمته، وعدم اشتراط وقف التخصيب للدخول في التفاوض التفصيلي.
وحتى قبل ثلاثة أشهر، كانت الولايات المتحدة لا تزال مصرّة على ضرورة وقف التخصيب أو يصبح الخيار العسكري وارداً. وما وافقها الروسي والأوروبيون، وذهبوا إلى أنّ البديل من الديبلوماسية ليس الخيار العسكري، بل زيادة العقوبات. وبعد تجاذبات سلّمت الولايات المتحدة بالمقاربة السُداسية، وحضر مندوبٌ عنها للمرة الأولى إلى جانب سولانا في الحديث مع الإيرانيين.
وهكذا يكون على أعضاء اللجنة السُداسية أن يجتمعوا الآن للنظر في الخيارات المقبلة، أو يعودوا إلى مجلس الأمن لترتيب القرار الجديد (وهو الثالث)، وهذا إلا إذا رأى سولانا أنه من المفيد إجراء المزيد من الاتصالات مع الإيرانيين.
ماذا سيحدث الآن؟ الظاهر أنّ الولايات المتحدة ما عادت تستطيع التفكير في خيارٍ عسكري، وأنها ستلتزم بما يقره الأوروبيون والروس.
فهي هذه المرة لا تستطيع التصرّف بمفردها بعد الذي حدث بالعراق. لكن من جهة ثانية، فإنّ هذا الأمر سيزيد إسرائيل نرفزةً، وقد تقوم بعملٍ عدواني ضدّ إيران. لكن: هل تسمحُ قُدُراتُها العسكرية بذلك؟ من المشكوك فيه أن تستطيع إسرائيل بمفردها استئصال شأفة النووي الإيراني. وقد يرتب على هجومها أيضاً حدوث خراب كبير بالمنطقة، لا تستطيع حتى الولايات المتحدة احتماله. ثم إنّ التطوّرات الأخيرة بإسرائيل زادت من إضعاف أولمرت، وحتى لو لم يستقِل، فإنّ حكومته مهزوزة.
ومن المفهوم أنّ تهديدات باراك وزير الحرب الإسرائيلي لإيران، هدفها داخلي، وهو زيادة حظوظه في الانتخابات المقبلة.
لكن المراقبين يقولون الآن إنه في حال حصول الانتخابات، فإن المرجّح أن يفوز نتنياهو زعيم الليكود، وليس حزب كاديما الحاكم حالياً أو حليفه حزب العمل. ولهذه الأسباب كلّها، فليس من المرجّح أن تضرب إسرائيل إيران في الشهور القليلة القادمة، وأن تترك للمجتمع الدولي إلى أطول مدى ممكن مسألة التعامل مع الملف النووي الإيراني ومكافحته.
لكن: هل مضى الأسد بالفعل إلى إيران للتوسّط كما تمنّى ساركوزي؟
الراجح أنّ الأسد ربما ذكر ما طُلب منه أوروبياً. أمّا هو فمهموم بما يجري على المسرح الإسرائيلي الداخلي، وإمكان تعطّل المفاوضات إذا استقالت الحكومة هناك. وهو على أيّ حال، لا يأمل بحدوث شيء قبل عام من الآن. لكن سواءٌ استمرت المفاوضات أم لم تستمر، أفما يزال الرئيس الأسد في الخانة الإيرانية أم انه انتقل منها إلى الخانة التركية؟ الراجح لدى بعض المراقبين، أن ذلك قد حدث، وأن زيارته هي مثل زيارة الرئيس السادات لدمشق، قبل الذَهاب إلى القدس. في حين يرى آخرون أنّ الضعف الذي نزل بالحكومة الإسرائيلية، أخاف الأسد من توقف التفاوض، فيخرج من المولد بلا حمّص، وينكشف تجاه خصومه وأصدقائه. ولذلك فقد ذهب ليُمتّن التحالف القائم، بانتظار ما يحدث من تطوّرات قد لا تكون لمصلحة النظام، دائماً.
