البيانات الوزارية ليست المشكلة إنما تنفيذ مضمونها
هل يربط "حزب الله" الاستراتيجية الدفاعية بتعيين رؤساء الأجهزة؟
اذا كان تشكيل ما يسمى حكومة وحدة وطنية تتطلب 45 يوما، والتوصل الى اتفاق على البيان الوزاري ثلاثة اسابيع، فكم سيتطلب الاتفاق على تنفيذ البنود المهمة من هذا البيان، ولا سيما في تعيينات الاسلاك الادارية والديبلوماسية والامنية والعسكرية ما دام كل وزير من وزراء هذه الحكومة غير المتجانسة يتوقف عند الفاصلة في كل عبارة لان الثقة مفقودة في ما بينهم وباب المزايدات بات مفتوحا مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية لمعرفة من منهم يسجل انتصارا على الآخر بالنقاط او بالكلام؟
اما الثقة النيابية بهذه الحكومة فسوف تكون موزعة بين نواب يمنحونها الثقة على اساس تركيبتها والتقيد بقرار الحزب او الكتلة الممثلة فيها، ونواب يمنحونها على اساس بيانها الوزاري وما يتضمنه من مواضيع تنال تأييدهم او يتحفظون عنها مع العلم ان بيانات معظم الحكومات ظل بعض ما جاء فيها حبرا على ورق، إذ تكثر من الوعود ولا تفي الا بالقليل منها.
وقد لا يختلف البيان الوزاري للحكومة الحالية عن بيانات حكومات سابقة خصوصا ما يتعلق بدور المقاومة في التحرير والدفاع عن لبنان سواء كان هذا الدور تحت "كنف الدولة" او خارج كنفها لان التزام مضمون البيان الوزاري لن يكون اكثر التزاما من تعهد "حزب الله" بلسان كبار المسؤولين فيه ان لا حرب مع اسرائيل وان لبنان سيشهد في صيف عام 2006 موسما مزدهرا، واذا بالحزب يخطف جنديين اسرائيليين، فتقع هذه الحرب التي فاجأت الدولة والشعب اللبناني وكبدت لبنان خسائر بشرية ومادية فادحة. وتعهد الحزب بلسان كبار المسؤولين فيه ان سلاحه لن يتحول نحو الداخل مهما تكن الاسباب بل نحو العدو الاسرائيلي فقط، واذا بهذا السلاح يتحول نحو الداخل وكاد يتسبب بحرب اهلية وفتنة طائفية. فهل تمنع عبارة في البيان الوزاري، سوى من الناحية الادبية والمعنوية، "حزب الله" من ان ينتقم للقيادي عماد مغنية في اي زمان ومكان، ولو ادى ذلك الى اشعال حرب مدمرة للبنان مع اسرائيل، وقد حذر مسؤولون اسرائيليون لبنان من عواقب القيام بمثل هذا العمل الانتقامي خصوصا ان التحقيقات التي قامت بها السلطات السورية لم تكشف حتى الآن الجهة او الجهات المسؤولة عن جريمة اغتيال مغنية؟ ألم ينص "اتفاق القاهرة" على احترام سيادة لبنان وسلطة الدولة ولم تحترم المقاومة الفلسطينية ذلك؟
لذلك ترى اوساط سياسية ان اهم ما يمكن التوصل اليه هو الاتفاق على "استراتيجية دفاعية" وكذلك "تحريرية" كما يطالب "حزب الله" من اجل تحديد دور سلاح المقاومة ومرجعية الامرة عليه كي يصبح هذا الدور خاضعا لهذه المرجعية ومنضبطا، ولا يظل مبررا لوجود سلاح آخر مهمته الدفاع عن هذا السلاح، كما برر البعض اسباب اجتياح شوارع في بيروت الغربية ومحاولة مد هذا الاجتياح الى بعض مناطق الجبل.
والسؤال المطروح هو: هل في الامكان التوصل الى اتفاق على وضع "استراتيجية دفاعية" و"استراتيجية للتحرير" اذا ظلت الرؤى مختلفة بين الزعماء اللبنانيين حول الوسائل الواجب اعتمادها لتحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية المحتلة، وللدفاع عن لبنان ضد اي عدوان اسرائيلي محتمل؟
الاوساط السياسية نفسها ترى انه ينبغي الاتفاق اولا على وسائل التحرير والدفاع، هل هي وسائل ديبلوماسية كما تفعل سوريا لاستعادة الجولان، ام وسائل عسكرية، فاذا كانت عسكرية في حال تعذر تحرير الارض بالوسائل الديبلوماسية، فهل يستطيع لبنان وحده وبامكاناته المحدودة مواجهة اسرائيل ايا تكن الاستراتيجية التي يتم التوصل الى اتفاق حولها، ام ينبغي ان تكون هذه الاستراتيجية في اطار استراتيجية عربية شاملة او اقله ضمن استراتيجية مشتركة مع سوريا التزاما لوحدة المسارين الا اذا كان بعض حلفاء سوريا اليوم يتناسونها…
اما الاستراتيجية الدفاعية بعد ان يتم تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي، فتصبح استراتيجية للدفاع عن لبنان ضد اي عدوان يقع عليه، وهذا واجب وطني يقع على الدولة وعلى الشعب بمختلف اتجاهاته ومشاربه ومذاهبه ولن يكون مقتصرا على فئة من دون اخرى. ولكي تكون هذه الاستراتيجية فاعلة، ينبغي ان يتم تسليح الجيش والقوى الامنية تسليحا حديثا، لا سيما بالطائرات الحربية والصواريخ، ليس للاعتداء على احد بل للدفاع فقط وهذه السياسة الدفاعية تفرض وضع موازنة خاصة لها.
لكن ما تخشاه الاوساط نفسها هو ان يشترط "حزب الله" للقبول بوضع سلاحه في اطار "استراتيجية دفاعية" بأمرة مرجعية الدولة، ان يكون على رأس هذه المرجعية قيادات سياسية وامنية وعسكرية يثق بها، وهذا يطرح مشكلة تعيين رؤساء الاجهزة الامنية والعسكرية الذين سبق للحزب ان اعلن انه يريد ان يعرف من هم هؤلاء الرؤساء وان ينال تعيينهم قبوله وموافقته، وان يكون للحزب ثقة بهم كي يعهد اليهم بالمرجعية واتخاذ القرارات، وكي يقبل الحزب ان يتخلى عن مرجعيته وقراراته لهم. وهي مشكلة قد لا يكون من السهل التوصل الى حلها اذا ما ربط الاتفاق على "الاستراتيجية الدفاعية" بالاتفاق على تعيين هؤلاء الرؤساء.