لماذا يتمسك الشيعة بالمقاومة وسلاحها؟
ليس سهلاً اطلاقا ايجاد مواطن لبناني شيعي، وخصوصاً جنوبي، يؤيد "نزع" سلاح المقاومة او احتواءه او انهاء دورها بعد نجاحها عام 2000 في تحرير ما احتلته اسرائيل من اراضي لبنان عامي 1978 و1982 والحاق هزيمة مدوية بها عام 2006 عبر احباط عملياتها العسكرية بل حربها عليه وعلى "حزب الله" الذي صار المقاوم الاول ليس لقوة تنظيمه والدعم الاقليمي الكبير الذي تلقى فضلا عن الرعاية، وبسالة مجاهديه فحسب، بل كذلك للالغاء المنهجي للذين سبقوه على طريق المقاومة. وهو الغاء قرّره ونفذه داعمو الحزب ورعاته من خارج لبنان. ويستوي في هذا الموقف الشيعي وخصوصاً الجنوبي، سواء كان انتماؤه السياسي الى "حزب الله" او حركة "امل" او لبقايا الزعامة الاسعدية وسائر الزعامات العائلية السياسية فضلا عن المتبقي من الاحزاب التي صنفت في حينه "وطنية" وكانت اول المتصدين للاجتياح الاسرائيلي بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982.
اما اسباب هذا الموقف فكثيرة اهمها اثنان لخصهما لي اخيراً "صديق عمر" من ابناء الطائفة الشيعية ولد في قرية جنوبية حدودية وعاش طفولته ومراهقته ومطلع شبابه على مرمى مدافع اسرائيل وتحت وطأة تهديداتها واذلالها وعلى رهان كبير على التخلص من كل ذلك بواسطة تيارات واحزاب قومية كانت صاعدة آنذاك وناشطة وواعدة، وقريب لي او نسيب من الطائفة نفسها – ولا داعي هنا الى التعجب او الاستغراب لانني لم اعترف يوماً بانفصال طوائف لبنان بل اممه وشعوبه بعضها عن بعض لا في حياتي الخاصة ولا في حياتي العامة – امضى طفولته في الجنوب وشبابه في الاغتراب وهو يعيش تقاعده الآن في لبنان. والاثنان اي الصديق والنسيب الذي هو صديق ايضاً، ليسا عضوين في "حزب الله" ويعتبران لبنان وطناً نهائياً ويمارسان طريقة حياة عادية لا تزمت فيها ولا قواعد حديدية.
السبب الاول، هو ان هذا السلاح وحامليه وبعدما حرروا الاراضي المحتلة من اسرائيل وصمدوا في وجهها بعد نحو ست سنوات على طردها من لبنان، شكلوا قوة ردع لاسرائيل بحيث لم يعد الجنوبي في قراه سواء الحدودية او البعيدة من الحدود، فضلا عن اللبناني عموماً، معرضاً في استمرار للاعتداء والقنص والخطف والقتل والقصف وما الى ذلك. وهذا امر لم يكن متاحاً في السابق اذ كان الاولاد، وطبعاً الكبار ايضاً، يخافون الوقوف على "السطوح" المكشوفة للاسرائيليين خشية تعرضهم للقنص، وصاروا اليوم يمرحون ويجولون. وبكلمة: يعيشون حياة طبيعية في كل المناطق الجنوبية حتى الحدود، من دون ان يخشوا اي اعتداء. وهذه حياة حرموها جزئياً بين 1948 تاريخ نشوء دولة اسرائيل وعام الهزيمة العربية امام اسرائيل 1967 ثم حرموها كلياً بعدما تحول الجنوب ومناطق لبنانية اخرى قاعدة فلسطينية لمواجهة اسرائيل، ثم بعد الاحتلالين الاول والثاني في عامي 1978 و1982. اما السبب الثاني، فهو ان نزع السلاح وانهاء المقاومة يعيدان كشف لبنان، وتحديدا جنوبه وبقاعه الغربي، امام اسرائيل الامر الذي يسمح لها في ظل ضعف لبنان الدولة والمؤسسات العسكرية والمدنية والسياسية والادارية والدستورية بالانتقام منهما بل من لبنان كله للذل الذي تعرضت له على ايدي الجنوبيين والبقاعيين ولبنانيين آخرين. كما ان من شأن نزع السلاح وانهاء المقاومة اعادة لبنان ساحة اقليمية غير منضبطة لمقاومة اسرائيل على النحو الذي كان عليه بين عامي 1969 و1982 يستعملها غير لبنانيين من كل الجنسيات والمذاهب والاديان لا يأخذون في الاعتبار مصالح لبنان واهله.
هل هذا الكلام بالمواقف التي تضمن صحيح؟
انه صحيح بكل ما لهذه الكلمة من معنى. لكنه ناقص. ذلك ان اللبنانيين المُصنفين ضد المقاومة وسلاحها ليسوا مع نظرية "قوة لبنان في ضعفه" التي سادت عقوداً عدة ولاسيما قبل الحروب التي عصفت بالبلاد. كما ليسوا مع نظرية ضرب المقاومة وحلها، وانما مع نظرية تحويل هذه المقاومة وسلاحها وفق استراتيجيا دفاعية يتفق عليها بعد حوار وطني معمق جزءاً اساسياً من لبنان القوي القادر على الدفاع عن نفسه ضد اسرائيل واي معتدٍ آخر عليه. ولبنان القوي هذا يجب ألا يكتفي بالمقاومة وسلاحها بل عليه ان يعزز جيشه وقواه المسلحة بكل ما تحتاج اليه من اسلحة لمواجهة الاخطار التي يمكن ان يتعرض لها من الخارج اولا ومن الداخل عند الحاجة. فضلا عن ان الحقيقة والمعطيات تشير الى امرين يتعلقان بالمقاومة وسلاحها وحزبها قد يؤديان، في حال عدم وضوحهما عند اللبنانيين كلهم وفي مقدمهم الشيعة، الى وقوع لبنان من جديد في دوامة الدمار الاسرائيلي بل التهديد الاسرائيلي المستمر وكذلك في دوامة الحروب الداخلية، سواء بقيت اهلية او تدخل فيها الخارج قريبه والبعيد. الامر الاول، هو ان المقاومة الحالية بسلاحها الضخم وجيشها اللجب وترسانتها العسكرية الهائلة تحمل الى الاجندة اللبنانية اجندة اخرى اقليمية (ايران وربما سوريا) ذات اهداف تتعلق بتحرير كل فلسطين وبمساعدة ايران في معاركها مع اسرائيل واميركا وغيرهما.
واذا كان اللبنانيون لا يمانعون في عودة فلسطين بكاملها الى اهلها، بل يرحبون بذلك، فانهم يعرفون ان ذلك ليس في مقدورهم وحدهم وان الاصرار على تحقيقه سيبقي بلادهم عرضة لحروب او اعتداءات اسرائيلية مدمرة. علما "ان الجرة لا تسلم كل مرة" كما يقول المثل تماماً كالاصرار على البقاء ذراعا عسكرية للثورة الاسلامية الايرانية. وللبنانيين، وتحديدا الجنوبيين والبقاعيين، مثال حرب تموز 2006 اذ انها رغم الانتصار اللبناني فيها خلّفت دماراً واسعاً. فهل يستطيع اللبنانيون تحمل تكرار دمار كهذا والعيش في ظله؟ اما الامر الثاني، فهو التشجيع الخطير للمذهبية في الوسط الاسلامي اللبناني، الذي تسبب به "حزب الله" والمقاومة، سواء تعمّد ذلك او لم يتعمّده، لان النتيجة في الحالين واحدة. وهو تشجيع ساعد عليه رد فعل مذهبي ايضاً من جهات اسلامية اخرى لبنانية وعربية ومعه مذهبية كامنة. مما حوّل لبنان ساحة تصفية صراع مذهبي وسياسي ومصالحي في كل العالم العربي والاسلامي. والاستمرار في عدم معالجة هذا الخطر عملياً، وليس فقط في الخطب الرنانة، سيبقي نار الحرب المذهبية كامنة تحت الرماد. وبذلك يخسر الشيعة والسنة واللبنانيون كلهم.
في اختصار اخشى ما اخشاه، وبصدق تام، ان يكون الشيعة المؤمنون بالمقاومة للاسباب المذكورة اعلاه من غير تحزّب لـ"حزبها" ولامتداداتها الخارجية، ومن دون التزام طقوسها والمراسم، بدأوا يشعرون من دون ان يدروا بكيانية شيعية مماثلة للكيانية المسيحية التي شعر بها المسيحيون قبل حرب 1975 وبعدها، وللكيانية السنية التي بدأت في التكوّن بعد استتباب الامر لسوريا في لبنان عام 1990. ومبعث الخشية ان الكيانية تشجع على الانفصال او على السيطرة على الآخرين او على الاعتماد على الخارج لتحقيق ذلك او لتلافيه وتفتح الباب امام الحروب المدمرة للوطن.