أحفاد المجانين!
يوماً ما بعد 30 او 50 عاماً سيغرق احفادنا اللبنانيون خجلاً وحياء عندما سيقرأون نص البيان الوزاري العظيم لهذه الحكومة المجيدة وقد استغرق اعداده 14 جلسة من المناقشات والمماحكات، كما ستستغرق مناقشته في مجلس النواب حيناً ثميناً من الدهر البائس في هذا البلد التاعس.
ربما يظن كثيرون الآن ان هذا البيان "البديع"في النص والضمائر والتتابع والتضمين والايحاء يشكل اعجازاً غير مسبوق في إرضاء كل هذه القبائل المتناحرة فوق ارض هذا البلد. والارضاء امر في مستوى الاعاجيب وخصوصاً عندما نتذكر المثل القائل ان "الله سبحانه وتعالى لم يرضِ عبيده" فكيف لا يدخل نص هذا البيان التاريخ؟
لكننا عندما نتلذذ بقراءة بعض العبارات الواردة فيه انما نتلذذ انطلاقاً من واقع الوحل والعار الذي نرتع فيه. فاذا تذكرنا عملياً كيف تكون الاوطان الاخرى، وكيف تتصرف الشعوب الاخرى، وكيف تتخاصم، وعلى ماذا تتنافس، وبأي الاساليب. وما هي حدود الحياء عندما، وحدود الوقاحة التي تصل اليها. ثم كيف تتفق، وعلى ماذا، وبعد ماذا، وعلى اي اساس، ووفق اي قواعد ومسلمات.
عندها فقط يمكن ان نفهم اليوم عرق الخجل الذي سيقطر بارداً من اجساد احفادنا اذا اعاننا الله (وهو القدير الوحيد) على ان نورثهم وطناً، لا مسلخاً يواصلون التذابح فيه وعليه، فإذا بالعالم يذهب صعوداً ونحن ننحدر نزولاً، واذا بالدول تتقدم الى الامام ونحن الى الوراء سائرون.
❑ ❑ ❑
40 صفحة فولسكاب من الغسيل الناصع جداً، هو حجم النص الذي يمثل ابجدية الواقع اللبناني الراهن، ويشير الى ما في الصدور والعقول. ثم يرش فوق كل هذا مراهم الكلام على "الوحدة الوطنية" بعد "السبيرتو" لتطهير الجروح، ثم الضمادات الدستورية والديموقراطية والمؤسساتية، رغم ان هذه تحتاج بدورها الى ضمادات اكثر منا.
❑ ❑ ❑
مع بداية المقدمة السياسية للبيان سيتعرّق احفادنا خجلاً (قل ان شاء الله) ذلك ان النص يقول: "لقد توصلنا برعاية عربية ودعم من اشقاء لبنان واصدقائه الى اتفاق استثنائي اقتضته مرحلة استثنائية (اذاً نحن في غرفة العناية الاستثنائية؟) وهو اتفاق يعيدنا الى الدستور والعملية السياسية والى القواعد والاعراف الدستورية سبيلاً لممارسة نظامنا الديموقراطي ولحل مشكلاتنا بالحوار وداخل مؤسساتنا الدستورية".
وسيقول احفادنا حتماً عندما يقرأون هذا الكلام: اذاً نحن فعلاً ننحدر من قبائل مجنونة. اجدادنا كانوا من المجانين الذين جعلوا من وطنهم عصفورية دموية. لقد كان اجدادنا بحاجة الى "لويا جيرغا" عربية ودولية لكي يصلوا الى اتفاق "استثنائي"، وقد كان لديهم في الاساس دستور وعملية سياسية وديموقراطية وكانوا يعرفون شيئاً اسمه الحوار، لكنهم كما يدل هذا البيان الذي كتبوه قبل 50 عاماً، دمروا كل هذه القيم الحضارية واحتاجوا الى رعاية الآخرين ليخرجوا من العصفورية التي دخلوها بعيون مفتوحة!
❑ ❑ ❑
عندما سيقرأ احفادنا البند الرابع الذي يقول "ان حكومتنا التي اتفق في الدوحة على نسب التمثيل فيها مع تعهد عدم الاستقالة منها او اعاقة عملها ملتزمة تنفيذ هذا الاتفاق كاملاً وعلى نحو لا لبس فيه…" سيقعون في الضحك والذهول متسائلين: كيف امكن اجدادنا اطلاق صفة الوحدة الوطنية على حكومتهم العجيبة الغريبة اذا كانوا قد اضطروا في بيانها الى التشديد على عدم الاستقالة منها او اعاقة عملها وتعهد تنفيذ ما اتفقوا عليه؟!
ولن يصدق احفادنا انهم تمكنوا فعلاً من ان يرثوا عنا وطناً اذا كانت حكومة اجدادهم في سنة 2008 اضطرت ان تقول في البند السابع ما حرفيته: "ان الحكومة تؤكد تمسكها بمبدأ وحدة الدولة ومرجعيتها في كل القضايا المتعلقة بالسياسة العامة في البلاد…" باعتبار انه اذا لم تكن وحدانية الدولة قاعدة ومرتكزاً فما معنى الحديث عن الوحدة الوطنية؟ وما الحاجة الى وجود حكومة تحمل هذا الاسم؟
اما عندما سيقرأون الفقرة التي تقول:
… ولا يرضى اللبنانيون وصاية احد عليهم ولا يقبلون ان يكونوا ادوات يستخدمها اللاعبون الاقليميون والدوليون في صراع النفوذ بينهم، فلبنان المستقر، والصيغة القائمة على العيش المشترك، وطن لا ساحة، وهو حق طبيعي لابنائه وحاجة عربية ودولية"، فسيفهمون جيداً لماذا كان جدودهم من المجانين،
ذلك انهم كانوا ادوات في ايدي اللاعبين الاقليميين والدوليين وقد جعلوا من لبنان ساحة سائبة لا وطناً، ودائماً على ايقاع المثل المعيب الذي اطلقوه: "مين ما اخذ امي بيصير عمي" و"اليد اللي ما فيك ليا بوسها ودعي عليها بالكسر".
عندها سيصيح احفادنا من عمق تعرقهم والحياء:
"أيه الله يغمّقلهم"!