المزايدات المبكرة بين الأطراف المسيحيين تضيّع الحقائق السياسية

حجم الخط

هل يتمكّن سليمان من تكوين كتلة ثالثة وسط الاستقطاب الحاد؟
المزايدات المبكرة بين الأطراف المسيحيين تضيّع الحقائق السياسية

فتحت المعركة الانتخابية بين الافرقاء المسيحيين تمهيدا للانتخابات البرلمانية في الربيع المقبل على غاربها ودخل لبنان والمناطق المسيحية خصوصا حرب مزايدات سياسية قد تكون مفهومة ومقبولة في كل الحملات الانتخابية التي تجري في لبنان او في الخارج لولا ان مؤشراتها لا تبدو حتى الآن مطمئنة. من هذه المؤشرات اخيرا على سبيل المثال ان بعض التحفظ عن احد بنود البيان الوزاري الذي صيغ بمشاركة الجميع بدا من خلال تكراره على السنة متحفظين كثر كأنما قوى 14 آذار هزمت شر هزيمة في اعداد البيان وفي البند المتعلق بالمقاومة واوحى كأنما هذه القوى تتدرج من خسارة او من هزيمة الى اخرى منذ اتفاق الدوحة، او كأنما الفريق الآخر حقق "نصرا مبينا" في البيان. علما ان الجميع متفقون على انه لن تكون هناك اي قيمة للكلمة اذا كان "حزب الله" سيلجأ الى استخدام سلاحه، ولن يتغير المشهد السياسي عما شهدته الاعوام الماضية اذا استعيدت ظروف الحرب او تم افتعالها لسبب او لآخر. فتعدد الاصوات وتنافسها من ضمن هذه القوى ينذران في هذه الحال بان يتسببا بهزيمة انتخابية كبيرة في الانتخابات النيابية المقبلة اذا استمرت المزايدات الاعلامية والسياسية التي تضيع المكاسب ولا تبرزها وتعود الى وجود نسبة كبيرة من المرشحين المسيحيين المحتملين وحسابات ومصالح مختلفة من ضمن الافرقاء المسيحيين انفسهم وفي مواجهة بعضهم البعض. فهناك مشكلة مسيحية كبيرة يراهن كثيرون على انها ستؤدي الى معركة شرسة جدا باعتبار انها ستكون بيضة القبان في الانتخابات المقبلة بين انتصار الفريق السيادي، او تفوق حلفاء سوريا عليه. وقد اعتبر الرئيس السوري بشار الاسد ان هؤلاء يشكلون نصف الحكومة الصديقة لسوريا.

ويهتم المراقبون المحليون والخارجيون بالقوة الشعبية التي يحظى بها كل من الافرقاء المسيحيين الرئيسيين، ليس بالارتكاز فحسب على استطلاعات للرأي لم تعد توحي الثقة في غالبيتها نسبة الى الجهة التي تضع الاستطلاع او طبيعة الاسئلة المطروحة، بل الى استطلاع عملاني لمزاج الناس وتوجهاتهم في مناطق الثقل المسيحي في المتنين وكسروان وجبيل وبعض مناطق الجبل.

ويسجل هؤلاء مجموعة ملاحظات يمكن ادراجها وفق الاتي: لا يزال العماد ميشال عون يحظى بشعبية كبيرة ليست بالتأكيد بالنسبة المئوية التي يقول انه نالها في انتخابات 2005 اي 70 في المئة، ويشهد على ذلك تراجع كبير لنسبة مؤيديه في اوساط مسيحية متعددة نتيجة التبدل الجوهري في خيارات عون وسياسته، في حين ان نسبة الدعم لا تزال كبيرة لديه في الاوساط الشعبية التي تؤمن بالشخص وليس بخياراته السياسية ونتائجها المحتملة. في حين لا يمكن الكلام على دعم قوي لحزب "القوات اللبنانية"، على رغم ان كلام رئيس هيئته التنفيذية سمير جعجع يلقى اذانا صاغية وحتى اعجابا، الا ان هذا لا يساعد في انتقال المتحفظين الكثر عن سياسة عون الى جهة جعجع لاعتبارات واسباب متعددة لا مجال للدخول فيها. وهذا الامر يسري على شخصيات مسيحية اخرى لها وزنها، وحتى على حزب الكتائب وسواه، ولكن من دون القدرة على احداث تبدل جوهري كبير بات مطلوبا بقوة في البيئة المسيحية.

ويلاحظ هؤلاء المراقبون ان الاستقطاب لا يزال حادا جدا بين تيار العماد عون و"القوات اللبنانية" مع توجّه لدى غالبية النخب الى الابتعاد عن الطرفين وانقاذ المسيحيين من الصراع القائم منذ نهاية الثمانينات بين العماد عون والدكتور جعجع. وهذا الامر قد يكون ممكنا عبر اطلاق قوة ثالثة تعيد التركيز على الثوابت المسيحية المتعلقة باستقلال لبنان وسيادته ولا تلتحق باي فريق بل تكون هي الفريق الذي ينضوي من ضمنه من يهرب من هذا الفريق او ذاك ولم تعد تسمح له اقتناعاته بالثقة بان اللاعبين الاساسيين على الساحة المسيحية هما الخيار الصحيح والوحيد المتاح. وتتعدد الآراء في هذا الاطار ومنها ان تنطلق هذه القوة وحدها وتكون داعمة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان في حال احتاج اليها، ويكون هو الخيار الذي يكسر حدة الاستقطاب المسيحي. وهناك اكثر من نواة في هذا الاطار تضم شخصيات تتمتع بالصدقية وقادرة على التعبير عن تطلعات المسيحيين اكثر بكثير من التبعية العمياء الحاصلة من مسيحيين كثر لهذا الفريق او ذاك.

وثمة خيار آخر بأن يرعى رئيس الجمهورية قيام كتلة برلمانية، ايا يكن عدد نوابها، على رغم حرصه الكبير حتى الآن على ان يكون حكما بين فريقي 14 و8 آذار وخوف الكثيرين من اشتداد الحملات عليه وخصوصا من التيار العوني الذي سيخسر الكثير في حال حرص رئيس الجمهورية على ان تكون له كتلته وان يخرج المسيحيين الى مكان آخر. ويتوقع بعضهم حملات اخرى من حلفاء للعونيين يخشون خسارة هؤلاء لانعكاس هذه الخسارة مباشرة على حصتهم النيابية المقبلة وتاليا الاكثرية التي يطمحون الى الحصول عليها. ويتوقع آخرون ضغوطا اقليمية من اجل الحؤول دون محاولة خوض رئيس الجمهورية الانتخابات او دعم نشوء اي كتلة برلمانية. الا ان الرهان يبقى قويا فعلا على رئيس الجمهورية ليثبت حضوره ولا يخضع بسهولة للضغوط التي بدأ يوحيها البعض فيعزز موقع المسيحيين على قاعدة ارساء القوة الثالثة التي يحتاج اليها لبنان، لارساء التوازن مجددا بين الطوائف بما يساعده في الحكم ويخفف الضغوط عن اللبنانيين وعن الوضع ككل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل