صدّق، يريدون الدولة!
لافت أن يثير "كنف الدولة" الجدل الى حدّ إشهار سيف الانقلاب على "اتفاق الدوحة" بالقول إن "لا حكومة من دون ذكر المقاومة في البيان الوزاري"، وسيف التنكر للبنان بالقول أن "لا مقاومة. إذاً، لا لبنان" وكأن في لجنة صياغة البيان الوزاري من كان ينكر دور المقاومة أو يتنكر له، بينما ما تداولته الصحف يشي بأن في اللجنة من كان ينكر دور الدولة الطبيعي ويتنكر لواجباتها التي على أساسها تسمى دولة، وفي الطليعة منها حماية الوطن والمواطن ولا سيما أمنيا وعسكريا.
والمثير أكثر أن يكتشف المواطن أن هواية استنفار الغرائز العدوانية لدى العامة التي يتفنن حملة هذا السيف في استخدامها، سعت الى الايحاء أن في اللجنة الوزارية من يريد تصفية المقاومة سياسيا والاعتداء على دورها، فيما بينت النتائج أن أهل "الثلث المعطل"، وتحديداً قيادتهم، كانت تتطلع الى استئناف عملية تفريغ دور الدولة كراعية وحاضنة للمجتمع والوطن وأمنهما، وحرمانها قرارها مستقوية بجيشها والشعب وقدرته على المقاومة.
يُذكر ما جرى بخطاب الأمين العام الأشهر الذي رد فيه على اتهامه وحزبه بإقامة دولة ضمن الدولة، بالقول لخصومه السياسيين "إبنوا دولة قوية قبل أن تتحدثوا عنا". فبين الواقعتين وما تخلل المرحلة الفاصلة بينهما من أحداث، ما ينبه الى أن الانصياع الى ضرورة قيام الدولة، المتكرر في خطب التودد السياسي العابر، يقف عند حد التعايش ولا يصل الى مستوى العيش الواحد، وهو "كنف الدولة". وما يلاحظ أن إبداء هذا الانصياع لا يكون إلا في لحظات الحاجة الطارئة الى استجداء الاجماع الوطني حول دور الحزب المعني كعنصر من عناصر الاستراتيجية الاقليمية، وما ترتبه من احتمال التعرض الى اعتداء اسرائيلي أو الى تسوية إقليمية.
لكن الاتفاق على صيغة البيان لم تنه محاولة الحزب المزاوجة بين المرونة داخلياً سعياً الى تهدئة توطئ لاجماع ما حول دوره، وحرصه الدائم على شدّ عصب أهله حوله، وذلك لا يكون إلا باستمرار إعتداءاته اللفظية على خصومه السياسيين كاتهامهم بالتآمر والارتباط بالاميركي، كما أشار الى ذلك الأحد الماضي أحد أعضاء كتلة الحزب النيابية في إحدى حلقات الشحن السياسي الاسبوعية حيث تنتهز ذكرى وفاة هذا المواطن أو ذاك لسرقة المنبر من لحظة حزن إيماني وتحويلها الى زمن تغذية الاحقاد السياسية. ففي تقويم هذا النائب "أن الأزمة – حول العلاقة بين المقاومة والدولة – ستستمر بوتائر أخف طالما أن هناك منطقين وخيارين يتحكمان في من يتمثل داخل الحكومة. فهناك خيار مقاوم ممانع، وهناك خيار مراهن على الديموقراطية الاميركية وعلى الصداقات الاميركية والاوروبية والغربية والاستكبارية، وعلى الديبلوماسية، في تحقيق تسوية ينسحب من خلالها العدو الاسرائيلي من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والغجر".
لا يريد الحزب، بصوت نائبه، أن يسلم بأن الديبلوماسية المدعومة بالحق في تحرير الأرض قد تغني البلاد عن حرب ينتصر فيها حزبه، على رغم تشريد مليون مواطن وتدمير مئة ألف وحدة سكنية وسبعين جسراً وما يشبهها في البنية التحتية، مضافة إليها الاضرار الاقتصادية اللاحقة بكل البلاد.
ولا يريد الحزب، وبصوت نائبه، ان يتنبه الى أن انتصاره في الحرب لم يطلق سمير القنطار بل زاد عدد الاسرى الى خمسة، وأنه اطلق الجميع بمفاوضات ديبلوماسية خاضها مع اسرائيل مباشرة عبر وسيط الماني وتطبيقا للقرار 1701 الذي يتناول أيضا ما تبقى من أراض تحت الاحتلال.
ولا يريد الحزب، وبصوت نائبه، أن يتذكر أن سوريا التي تتزعم نهجه في "الممانعة"، تفاوض اسرائيل حاليا برعاية تركيا لانهاء احتلال الجولان من دون إراقة دماء وتهجير وتدمير، وانها "تراهن على الديموقراطية الاميركية وعلى الصداقات الاميركية والاوروبية والغربية والاستكبارية، وعلى الديبلوماسية، في تحقيق تسوية"مع اسرائيل السنة المقبلة.
ولا يريد الحزب، بصوت نائبه، أن يتنبه الى أن دولة ولاية الفقيه التي يفاخر الأمين العام بانتماء حزبه إليها، تفاوض الاميركي اليوم في إطار 5+1، وتراهن على أن تغير الديموقراطية الاميركية حزب ساكن البيت الابيض فيأتي محل جورج بوش الإبن باراك أوباما الذي قد يتفهم الدور الذي تسعى إليه في المنطقة ويجد فيه ما يفيد بلاده.
الحزب، وبصوت نائبه، يريد للصيف والشتاء أن يلتقيا فوق سطحه الاقليمي: الديبلوماسية حلال للدولة في دمشق وطهران، وحرام على الدولة في بيروت.
مع ذلك صدقوا أنه يريد دولة قوية. والسؤال أين يريدها؟
في دمشق أو طهران أو بيروت؟
