مهام البيان أكبر من الحكومة ولبنان
ليس ما جاء في البيان الوزاري، على أهميته، أقل إثارة للأسئلة مما غاب عنه. فلا تعبير (في كنف الدولة) الذي يطلب طرف إضافته الى البند المتعلق بالمقاومة ويعترض عليه طرف آخر يضمن آلية سياسية لترجمته عملياً. ولا المواقف المختلفة سوى إشارة رمزية الى ما هو أعمق في الواقع. والكل يعرف أننا خارج البحث في أزمة النظام التي تدور حول نفسها وحول أزمة النظام الإقليمي كما تدور الأرض حول نفسها وحول الشمس. فليس في الأفق حل لأزمة النظام. ولا ما نبنيه في الحاضر على اتفاق الدوحة هو تسوية للأزمة تحمل طابع الثبات ولو مرحلياً. وما نحن فيه هو تجارب في إدارة الأزمة التي وصلت الى أعلى المراحل، وبقيت المعالجة في أدنى المراتب. ففي الماضي كانت الأزمة تُدار بما يُسمى (الصيغة الفريدة). اليوم تُدار بالمباراة في (الصياغة اللغوية).
ذلك أن النصوص الواردة في البيان توحي أن حكومة قصيرة العمر تطمح الى إعادة (تأسيس لبنان). فالبيان يبدو كأنه (دستور سياسي) للبلد، بحيث وجد صياغة لكل الخيارات الوطنية. وهو أجمل من أن يكون حقيقة، الى حد الشعور أنه أكبر من الحكومة، وبعض المهام التي يعد بها أكبر من قدرة لبنان. فضلاً عن جمع المتناقضات التي يصعب أن تحلها فلسفة الجدلية العلمية.
والسؤال البسيط هو: الى أي حد يستطيع لبنان وضع (خطة لإحقاق حق العودة)، وإن كان من حقه وواجبه رفض التوطين؟ هل يكفي سلاح المقاومة لإنجاز المهمة من دون عودة العرب الى الخيار العسكري، وفي ظل العجز عن فرض حق العودة عبر مفاوضات التسوية؟ الى أية درجة يمكن الجمع بين تحرير مزارع شبعا بالقوة وبين (التزام تطبيق القرار 1701 بمندرجاته كافة)? وإذا كانت أفضل معادلة لتصحيح الخلل في العلاقات اللبنانية – السورية هي الابتعاد عن (العداء أو التبعية)، فكيف يطبقها مَن تبادلوا التهم حول العداء أو التبعية لسوريا؟
التحدي الكبير هو في الفقرة المهمة جداً والتي تنص على أنه (لا يرضى اللبنانيون وصاية أحد عليهم، ولا يقبلون أن يكونوا أدوات يستخدمها اللاعبون الإقليميون والدوليون في صراع النفوذ بينهم). إذ كيف يعيد الى لبنان دور (الوطن) الذين ساهموا في جعله (ساحة)؟ أليست الحكومة محاصصة بين الذين تساجلوا على مدى عامين بالتهم الكبيرة، بحيث قيل إن فريقاً هو أداة لقوى إقليمية وآخر هو أداة لقوى دولية، وإن البحث عن الوصاية هو الرياضة الوطنية؟
إذا استطاعت الحكومة تطبيق هذه الفقرة فقط، فإنها تصنع التاريخ.
