لأن مشكلة اللاجئين لا تحلّ بقوة السلاح
الدولة الفلسطينية الطريق الوحيد لحق العودة
بعدما ربط العماد ميشال عون مصير سلاح "حزب الله" بمصير اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وحق العودة الى ديارهم، تساءلت اوساط سياسية هل طرح العماد عون على نفسه السؤال: ما العمل اذا لم تحل مشكلة هؤلاء اللاجئين واصبح التوطين امرا واقعا مفروضا وأن يكن مرفوضا؟ هل يتم طردهم من لبنان بالقوة ولو ادى ذلك الى نزاع مسلح لا يعرف احد نتائجه؟ اولم تقع حرب لبنانية فلسطينية دامت سنتين وقد ولدت حروبا لبنانية – لبنانية لم تتوقف الا بعد التوصل الى اتفاق الطائف الذي قلص صلاحيات رئيس الجمهورية، ونقل السلطة الاجرائية الى مجلس الوزراء مجتمعا، وذلك عقب دخول القوات السورية الى لبنان لوقف الاقتتال فتكبد لبنان ثمن ذلك جزءا من سيادته واستقلاله وحريته ووصاية سورية عليه دامت ثلاثين سنة؟
ان مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا تحل بقوة السلاح وباشعال حرب جديدة لبنانية – فلسطينية يستخدم فيها سلاح "حزب الله" هذا اذا استخدم كما استخدم في الماضي سلاح "القوات اللبنانية" وكانت النتيجة اعطاء مبرر لدخول القوات السورية الى لبنان وكان من دخولها ما كان…
لذلك ترى الاوساط نفسها ان لا حل لمشكلة اللاجئين الا بالعمل الجاد والدؤوب من اجل اقامة دولة فلسطينية بحيث يشكل قيامها اول خطوة مهمة على طريق حل هذه المشكلة، اذ يصبح الفلسطينيون الموجودون في الدول المضيفة مجرد رعايا عرب تطبق عليهم القوانين التي تطبق على هذه الرعايا، ولا يبقى خوف من توطينهم في لبنان وتجنيسهم، بل يصبح لهم حق السفر والتنقل والاقامة في اي بلد يختارونه. ومن دون قيام هذه الدولة الفلسطينية قد يكون من الصعب ايجاد حل آخر لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين لان اسرائيل بجميع احزابها ترفض حق العودة لهم مخافة ان يتغير الوضع الديموغرافي مع الوقت لمصلحة الفلسطينيين ويصبح اليهود في الدولة العبرية اقلية.
لقد جرى بحث في الماضي بتوزيع اللاجئين الفلسطينيين على عدد من الدول العربية والاجنبية بحيث يتحمل لبنان جزءا منهم لا يقل عن 150 الفا خصوصا ان بينهم من تزوجوا من لبنانيات وحصلوا على الجنسية اللبنانية، واندمجوا في المجتمع اللبناني، ولم يعد في الامكان اعتبارهم لاجئين، والقرار 194 الذي صدر عن الامم المتحدة من سنوات لم ينفذ رغم ان لبنان اعترض على اعطاء تعويض لمن لا يرغب من اللاجئين في العودة، وطلب اعطاء هذا التعويض لمن يرغب في العودة لئلا يغري التعويض الكثيرين فيفضلون البقاء حيث هم.
وكان مسؤولون في السلطة الفلسطينية قد دعوا الدول المضيفة الى منح الفلسطينيين جنسية الدولة التي يقيمون فيها لانهم يعلمون ان حق العودة بات مجرد شعار غير قابل للتنفيذ، لان اسرائيل ترفض هذه العودة رفضا باتا، وتفضل عدم عقد اتفاق سلام اذا كانت شرطا لعقده. فليس اذاً سوى القيام بعمل عربي مشترك وسعي جاد لدى المجتمع الدولي ولاسيما لدى عواصم القرار من اجل اقامة دولة فلسطينية في اسرع وقت ممكن لان اقامة هذه الدولة هي الحل الممكن لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وان تكرار المطالبة بحق العودة في القمم العربية وفي البيانات والتصريحات يبقى من دون جدوى.
لقد كررت الحكومة في بيانها الوزاري "التمسك بمبادئ القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة ذات الصلة بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية بما فيها قرار الجمعية العمومية رقم 194 والتزامها مطالبتها بحق الفلسطينيين في العودة الى ديارهم وموقفها الرافض لتوطين الفلسطينيين في لبنان وستعمل الحكومة على وضع خطة عمل على الصعيدين السياسي والديبلوماسي تهدف الى احقاق هذا الحق، كما ستعمل على وضع التصورات والافكار التي تعزز وتفعّل الموقف اللبناني الرافض للتوطين وتحمل كل المجتمع الدولي مسؤولية عدم عودتهم الى وطنهم حتى الآن".
ان ما جاء في هذا البيان لجهة رفض توطين الفلسطينيين ليس اشد وقعا واكثر فاعلية من النص الذي ورد في مقدمة الدستور وتحديدا في الفقرة "ط" ونصها "ارض لبنان ارض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الاقامة على اي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون. فلا فرز للشعب على اساس اي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين".
الواقع، ان خطة العمل على الصعيدين السياسي والديبلوماسي التي تهدف الى تحقيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين لمنع توطينهم، هي في القيام بعمل ديبلوماسي عربي وفلسطيني مشترك من اجل اقامة دولة فلسطينية، وفي اسوأ الحالات توزيع اللاجئين الذين لا تسمح اسرائيل بعودتهم الى عدد من الدول التي تسمح امكاناتها بذلك، وليس بجعل سلاح "حزب الله" في مواجهة السلاح الفلسطيني على ارض لبنان منعا للتوطين، او اتخاذ التوطين وسيلة تخويف للابقاء على سلاح "حزب الله" وبالتالي تبرير بقاء السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها.
واذا لم يتم التوصل الى حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يبدأ باقامة دولة لهم في فلسطين، فان التوطين يصبح امرا واقعا مفروضا وان يكن مرفوضا، وما الكلام على اموال قد تدفع لقاء هذا التوطين سوى التمهيد لذلك، ليكون للتوطين ثمن ولا يصبح مع الوقت كيانا وبدون اي ثمن.
وفي كتاب "قضايا وخبايا" للزميل حكمة ابو زيد ذكر على لسان الوزير الاسبق للخارجية فؤاد بطرس قوله للصحافيين في نيويورك: "ان الولايات المتحدة الاميركية مصرة على توطين الفلسطينيين في لبنان" وعندما فاجأ الرئيس الياس سركيس الديبلوماسيين الاجانب الذين كانوا يعايدونه بالسنة الجديدة (1977) باعلان "رفضه التوطين" سئل ماذا وراء هذا الرفض فيما لا يثير احد هذه المسألة فأجاب: "انهم يعملون بنشاط ومثابرة لتحقيق التوطين وقد عرضوا علي اربعة مليارات دولار كلفة اعادة اعمار لبنان اذا وافقت على التوطين. وبعده أعلن الرئيس اميل لحود انه عرض عليه لهذه الغاية 20 مليار دولار، وقال عبد الحليم خدام يوم كان وزير خارجية سوريا عند اجتماعه بالزعماء المسلمين في عرمون في 30/1/76 "ليس هناك حل لرحيل الفلسطينيين من لبنان حتى لو قبلت اسرائيل بقيام الدولة الفلسطينية"، وفي معرض حديث الوزير فؤاد بطرس عن التوطين وخطره على لبنان مع لورنس ايفلبرغر وكيل وزارة الخارجية الاميركية عام 1992 قال له: "الى اين سيذهب الفلسطينيون؟
وفي 1980 قال الرئيس رشيد كرامي: "اننا جميعا ضد التوطين وجميعنا على استعداد لمقاومته، ولكن علينا ان نعي ان اسرائيل والذين وراءها يريدون ويعملون على تحقيقه في لبنان".
وقال الوزير السابق غسان سلامه عام 2003: "ان معظم دول العالم لا يتفهم موقف لبنان الرافض للتوطين وان الاجماع الاسرائيلي يرفض العودة الى حدود 1948 وان قيام الدولة الفلسطينية واعطاءها هويتها لفلسطينيي الشتات قد يكون الحل الموضوعي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وغيره".
وجاء في مداخلة للسفير خليل مكاوي في مؤتمر مقاومة التوطين والتطبيع (ايار 2008): "ان اللبنانيين يرتكبون خطأ تاريخيا ان هم اصروا على استخدام "مصطلح" التوطين مادة سجال سياسي ضيق، مستندين الى التهويل والتحريض لتحقيق مكاسب شعبية من خلال استنفار العصبيات الطائفية او المذهبية او الحزبية، "فاحترام حقوق شعب فلسطين (القرار 3089) غير قابلة للتصرف، وتحقيقها، وخصوصا حقه في تقرير المصير، لا بد منهما لتوطيد سلام عادل ودائم في الشرق الاوسط.
ودعا الى تكوين لوبي لبناني – عربي – دولي لدعم حق العودة بعيدا عن افتعال المعارك الوهمية التي لاتمت لا الى المصلحة اللبنانية ولا الى المصلحتين الفلسطينية والعربية باي صلة، كما دعا السفير عبدالله ابو حبيب في المؤتمر نفسه الى حل سريع لفلسطينيي لبنان ينهي حال المخيمات كبؤر بؤس ومقالع لجماعات العنف والحقد والارهاب ينقلهم الى حياة مستقرة وآمنة، وهذا يتطلب من المجتمع الدولي تركيزا على حل يعطي الفلسطينيين في المخيمات تعويضا عادلا والحرية لاختيار مواطنية ثانية تسمح لهم بالعيش الكريم مع الاحتفاظ بحق العودة الى الوطن الام فلسطين.
