#adsense

كلام يشفي الديموقراطية؟

حجم الخط

"كلام" يشفي الديموقراطية؟

لا شك في ان الصحافة المكتوبة تبقى الأقدر من شقيقاتها المرئية والمسموعة على الاضطلاع بدور الرصد الدقيق والفاحص بعمق يتجاوز اللحظة السريعة لاطباع السياسيين وكفاياتهم وحقائقهم المعروفة وغير المعروفة، لان صفحات الجرائد هي انعكاس ليوميات معاينة الصحافة لاحوال السياسة بكل تفاصيلها.

تبعا لذلك بدت اتجاهات الصحافة الوازنة على اختلافها، عشية جلسة مناقشة البيان الوزاري بمثابة حدث سار ليس لالتقائها العفوي على الحكم الساخر المسبق بالفائض الكلامي المتوقع خلال هذه الجلسة فحسب، بل ايضا لتقاطع هذه الاتجاهات عند نبض شعبي جارف لم يعد يلقى بالاً لهذا النوع من العراضات الجماعية وسط مفهوم يطغى على البلاد ويصور السياسة بانها فنّ الازدواجية والتملق والوجهنة.

غير ان مكمن الخطر الحقيقي في هذا الواقع يتجاوز مسألة "الثرثرة" الكلامية الى الفجوة الهائلة التي احدثها تعطيل المؤسسات وفي مقدمها مجلس النواب سحابة عامين في مفهوم "عموم اللبنانيين" للسياسة. فان تصبح جلسات المناقشة العامة في المجلس "عبئا" طارئا وغير معتاد على حياة اللبنانين، هو الحصيلة المفجعة التي تحصدها السياسة بعدما غلب عليها مفهوم الخروج على الاصول الدستورية وتحكيم انماط التعطيل بفعل موازين القوى كمعيار قاهر للمسار النظامي. ومع سيادة مفهوم كهذا، مضافا الى واقع سياسي اصطفافي شديد الفرز والانقسام، تذهب نخب السياسيين بجريرة سواها ولا يبقى رهان الا على قدرة الناس على التمييز بين "فئات" النواب والساسة والزعماء واشخاصهم وسيرهم الذاتية.

ولقد ابتلي الوسط السياسي عموما وفريق الغالبية خصوصا في معظم الحقبة "السابقة" (والمرجو ان تكون تسميتها هكذا)، بلعنة "الرقم" حين راحت الاغتيالات تحصد متنقلة نائبا تلو آخر وسياسيا تلو آخر من الفريق نفسه. ووصل الامر الى حد مذهل في دراماتيكيته حين ساد انطباع ان حرب الاغتيالات تهدف الى تقليص الغالبية ومساواتها بالاقلية. ونشأ عن ذلك الهوس القاتل والمحموم ذعر بات معه النائب، ايا يكن، مجرد رقم مرشح للتصفية، كأن "وظيفته" ان يحيا ليحافظ على غالبية او ان يقتل ليقلصها.

ومع الفارق الكبير بين ظروف اجرامية دموية واخرى سلمية واعدة بزوال تلك العاصفة الارهابية، ربما يكون الاستحقاق الاول الذي يتعين على النواب مواجهته هو ان يعيدوا الاعتبار الى مكانة الكلام ومهابة التعبير لئلا يبقى المفهوم السائد للسياسة انها مجرد "حكي" يتنازع عشرات النواب على الاصطفاف وراء منابره. وغني عن البيان ان الكلام الآن تحت قبة البرلمان، يكتسب مذاقا مختلفا ومهابة مغايرة لكل ما سبق وخصوصا اذا شكلت هذه العودة الباهظة الكلفة للديموقراطية حافزا كافيا للنواب للثأر من كل مفهوم يدرجهم في خانة الارقام والاعداد، ويشفي معهم وبألسنتهم هذه الديموقراطية العليلة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل