مواجهة محتملة وشرط سياسيّ مفقود
بين إسرائيل و «حزب الله» أجواء مواجهة عسكريّة لم نعهدها منذ حرب 2006. فالطرفان، من موقعيهما النقيضين، يقرعان الطبول. فهما متّفقان على أن القرار 1701 لا يقرّ شيئاً، وأن قوّات «اليونيفيل» لزوم ما لا يلزم. وإذ يتحدّث مسؤولون في الدولة العبريّة عن نقل السلاح من سورية إلى «حزب الله»، وعن تغيّر في قدرات الردع الجوّيّ أحدثه الحزب الخمينيّ، يرفع الأخير منع الخروق الجوّيّة الإسرائيليّة إلى مصاف أمر اليوم.
ويلوح كأنّ الاثنين يتسابقان للوصول الى التحام مباشر تُزاح من طريقه عوائق القوّات الدوليّة والدولة اللبنانيّة، فلا يقف سدّ أو حائل.
لكنّ المؤسف، والحروب مؤسفة أصلاً ودوماً، أن حصول مواجهة أخرى سيفتّت ما بقي واحداً من لبنان. والإسرائيليّون، هذه المرّة، قالوا إن ردودهم لن تميّز بين «حزب الله» والحكومة وقوّاتها، ما دام البيان الحكوميّ لم ينجح في تمييز الحكومة عن «حزب الله». وليس سرّاً أن أكثريّة الشعب اللبنانيّ الساحقة، وفي عدادها مؤيّدو ميشال عون، لا تريد حرباً كهذه. وهي، إن حصلت، تلتْ انشطاراً عريضاً بين «حزب الله» وأهل الأكثريّة النيابيّة اتّخذ شكل العنف السافر في بيروت ومناطق لبنانيّة أخرى. وقد جاءت الخلافات السياسيّة، ما بين قمّة الدوحة ووضع البيان الوزاريّ، لتقول إن التسويات الرجراجة هي أقصى ما يمكن التوصّل إليه بين الطرفين المتنازعين.
فوق هذا، فقد التعرّض للأذى الاسرائيليّ قدرته على تحويل التضامن الانسانيّ الى تضامن سياسيّ. ذاك أن تفرّد «حزب الله» في أمر العلاقة بإسرائيل جعل الأمر بمثابة صراع لا يعني غير «حزب الله»، تاركاً شعبه في موقع المتفرّج الحزين على بلده. فكيف وأن مقاومة إسرائيل، أو مواجهتها، لم تعد تلك الورقة السحريّة الباهرة في ابتزازها السياسيّ للآخرين؟! فالاسرائيليّون يقفون اليوم خارج الحدود الدوليّة، وقد ظهر مؤخّراً ما يشي بأن مشكلة مزارع شبعا قابلة للتذليل سياسيّاً وديبلوماسيّاً. ومن ناحية أخرى، لا تني الإيحاءات الصادرة عن «حزب الله» تقول إن المواجهة غدت أهمّ من أسبابها: فنحن نقاتل اليوم ثمّ نبحث غداً عن الأسباب والذرائع، ما يعني إبقاء اللبنانيّين في حروب متّصلة لا نهاية لها.
إلى ذلك، تتعفّن القضيّة الفلسطينيّة في غزّة، فصائل وتنظيماتٍ وعائلات، بينما تندرج دمشق في مفاوضات غير مباشرة، مرعيّة تركيّاً، مع تلّ أبيب. وهما عنصران لا يعزّزان حجّة المدافعين عن المواجهة مع الدولة العبريّة، بل يعزّزان حجّة المدافعين عن استخدام لبنان ساحةً لأغراض لا صلة لها بمصالح اللبنانيّين. وفي الخلفيّة تكمن كلمات صريحة تفوّه بها مسؤول إيرانيّ رفيع ربط بين لبنان والملفّ النوويّ، وتقديراتٌ حول استعمال إيران «الساحة» المذكورة لتجريب أسلحة جديدة، واستعمال إسرائيل لها بهدف امتحان تلك الأسلحة.
وقصارى القول، وفي معزل عن النتائج العسكريّة لمواجهة كتلك، فإن الشروط السياسيّة للمعركة غير متوافرة إطلاقاً. وهو نقص يفاقمه أن الإسرائيليّين الراغبين في المواجهة أكثريّة كبيرة. وإذا قسنا بقياس الكتل الحزبيّة الكبرى، بدا مدهشاً أن المتنافسين على وراثة إيهود أولمرت في «كاديما»، «المعتدلة» تسيبي ليفني و «المتطرّف» شاؤول موفاز، بينما يتربّع في سدّة «العمل» إيهود باراك، وفي قمّة «ليكود» بنيامين نتانياهو. وهؤلاء، أي ممثّلو المجتمع الإسرائيليّ، يتسابقون لانتزاع «مجد» الردّ على إخفاق جيشهم في حرب 2006 وتقصيره.
