وسط تراجع احتمالات ضربة لإيران وتحقيق اختراق في المفاوضات
لبنان أمام مرحلة "استقلال نسبي" عن التطورات الإقليمية
ينشغل لبنان الرسمي راهناً، وعلى نقيض غالبية البلدان التي تشهد مؤسساتها الرسمية عطلات صيفية في هذه الاونة، بموضوعين مهمين هما: انطلاق الحكومة بعد مناقشة بيانها الوزاري في مجلس النواب ومنحها الثقة، والزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لدمشق الاربعاء المقبل. وهذا الانشغال يشكّل بديلا من اقفال مجلس النواب منذ عامين، وهو ما تسبّب بانتقال الصراع السياسي الى الشارع نتيجة لذلك، ويطلق حركة مستقلة نسبيا عن الربط المسبق لأي استحقاق داخلي في لبنان بالاوضاع او التطورات الاقليمية على ما يحصل دوماً، علما انه من السذاجة الاعتقاد بواقع الانفصال الفعلي على رغم الأخطار الفادحة لابقاء حياة لبنان واللبنانيين معلقة في انتظار التطورات الاقليمية. كما ان النشاط يعوض جزئياً ونظرياً الغياب الكامل للنواب عن القيام بواجباتهم خلال ما يزيد على نصف ولايتهم الحالية.
وهذا الاستقلال النسبي للشأن اللبناني، والذي يشهد عليه غياب اكثر من نصف أعضاء السلك الديبلوماسي الاجنبي المعتمدين في لبنان عن مراكزهم لارتياحهم للمرة الاولى الى فترة هدوء نسبي يفترض ان تخلو من المفاجآت، يتصل عمليا بواقع تضييع الوقت او امراره في انتظار الانتخابات الرئاسية الاميركية في تشرين الثاني المقبل ومؤتمرات الحزبين الديموقراطي والجمهوري بين اواخر آب الجاري وايلول المقبل، علما ان الانتخابات الاميركية تلحظ ايضا انتخابات مجلس النواب ونصف مجلس الشيوخ. اضف الى ذلك انتظار تطورين اقليميين آخرين، أحدهما يتعلق بالتطورات السياسية في اسرائيل في ايلول المقبل، وانتخابات حزب "كاديما" الذي سيختار بديلا من رئيس الحكومة الاسرائيلية الحالي ايهود اولمرت، وقد يتعدى تأليف حكومة جديدة في اسرائيل الى المطالبة بانتخابات جديدة يمكن ان تفتح الامور على امور متعددة. اما التطور الاخر فيتعلق بالزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لدمشق في النصف الاول من ايلول المقبل، من حيث انعكاسها على لبنان في طبيعة تطور العلاقات بين البلدين.
ولهذه الاسباب على الاقل تبدو الامور الاقليمية بعيدة نسبية في هذه المرحلة عن الوضع اللبناني، ويرحّل ديبلوماسيون كثر الوضع الى ايلول المقبل حين تعاود الحركة السياسية والديبلوماسية نشاطها في اتجاهات متعددة، على رغم ان هذه التطورات تضعف رهانات قائمة في المنطقة يتعلق أحدها بايران والآخر بسوريا. وبعض المعطيات الديبلوماسية يفيد راهناً، وبنسبة اكبر من السابق، بصعوبة توجية ضربة عسكرية الى ايران بعد مشاركة الولايات المتحدة في اجتماع الدول الخمس الكبرى + 1، اي المانيا، في جنيف، ثم عدم التشنج في الرد الدولي وحتى في الاستعداد للرد على عدم الجواب الايراني عن الحوافز الغربية بتشديد العقوبات على ايران، ويبدو تراجع الخيار العسكري مرجّحاً اكثر من اي وقت مضى. وتستند المعطيات الديبلوماسية اساساً الى واقع ان فترة انتظار الجواب من ايران في الايام العشرة الاخيرة تميزت بهبوط اسعار النفط، وحين تردد ان ايران لم تقدم جوابا عن الحوافز الغربية عاد سعر النفط الى الارتفاع مجددا. وهذا العامل الاقتصادي يبدو من اهم العوامل الحاسمة في اتجاه تراجع هذا الخيار لمصلحة الحوار الديبلوماسي الذي طغى في وقت سابق من خلال المشاركة الاميركية في الحوار، علماً ان الديبلوماسية الاميركية كانت اشترطت وقف ايران تخصيب الأوارنيوم قبل المشاركة في الحوار. وهذا التغيير في الموقف الاميركي يؤشّر الى تعاط مختلف ينقل عن الاميركيين جديته الكبرى وفق ما اوضح مسؤولون اميركيون كثر رأوا في مشاركة مساعد وزيرة الخارجية الاميركية وليم بيرنز في المحادثات مع طهران خطوة بالغة الاهمية، ولو كانت لا تزال خطوة اولى. وعلى خط آخر، يستمر البعض في القول انه ربما كان هذا الموقف الاميركي يخفي ارادة لاقفال كل الابواب امام احتمال لوم الولايات المتحدة اذا شجعت على الخيار العسكري، إن قامت به اسرائيل، في حال استمرار ايران على سقفها المرتفع وعدم تجاوبها مع الحوافز الغربية.
اما في شأن الرهان على احتمال حصول اختراق جوهري في المفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة الجارية برعاية تركية، فترجح هذه المعطيات تراجع فرصة انجاز هذه المفاوضات قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي جورج بوش، وتاليا دخول الولايات المتحدة على خط الرعاية للمفاوضات المباشرة بين الطرفين على رغم وجود آراء لا تستبعد ذلك في الاشهر الثلاثة الاخيرة من عهد الرئيس الاميركي الحالي، كما سبق ان حصل مع الرئيس السابق بيل كلينتون. الا ان هذه المعطيات تفيد ان هذا الامر ليس واضحا على هذا النحو، لا بل ثمة استبعاد شبه كلي لحصول مثل هذا التطور. لذلك ادرج بعض الديبلوماسيين التحرك الاخير للرئيس السوري بشار الاسد في اتجاه طهران، ثم في اتجاه تركيا خلال ايام معدودة ولو ان الزيارة الثانية لم تحظ باي متابعة جدية من الاعلام الغربي، في خانة محاولة اعادة التموضع ومحاولة تعزيز الاوراق الاقليمية تمهيدا لمرحلة ستتميز بطابع امرار الوقت وانتظار التطورات المرتقبة المعروفة.
