من القضايا الكبرى الى قضايا الناس العاديين

حجم الخط

من القضايا الكبرى الى قضايا الناس العاديين!

اذا كان الدفاع عن المبادئ الكبرى لانتفاضة الاستقلال مسألة غير مرهونة بالوقت، وكانت تلك المبادئ في معظمها في الثلاجة نتيجة احتكام فئة الى السلاح لفض خلاف عميق وجوهري في البلاد، واضطرار الاستقلاليين الى القبول بالممكن بعد مسلسل الغزوات، فهذا لا يعني ان الحكومة الحالية التي نعتقد انها تمثل في تركيبتها وفي روحها تراجعاً كبيراً عن الخيار الاستقلالي، عليها ان تتراخى في الشؤون المتعلقة بحياة الناس العاديين الذين دفعوا الاثمان الغالية خلال محنة السنوات الثلاث الاخيرة. وقد جرى الضغط عليهم افراداً وجماعات في كل مناحي الحياة من الأمن الى الاقتصاد، تحت شعارات ملفقة كانت تزعم انها تحركت بناء على تفويض شعبي، في حين انها استغلت غرائز بدائية لدى جماعات، واخذت قوت الناس رهينة من دون اي التفاتة الى المشاعر الحقيقية للناس. لذلك المطلوب الآن الالتفات الى اللبنانيين العاديين لأن كل شيء صار في الخارج!

وبناء على ما تقدم نقول ان الممكن اليوم هو الهدنة بين تناقات حادة لا يمكن في اي حال أن تلتقي لكونها تعكس خطوطاً ذاهبة في اتجاهات متباعدة، والهوة تتعمق على الرغم من مظاهر التهدئة السطحية. فالنار تحت رماد اتفاق الدوحة، والتهدئة الاقليمية المفروضة على الجميع في انتظار ان تتبلور الصورة في المحيط، ولاسيما على صعيد المواجهة بين ايران والمجتمع الدولي حول برنامجها النووي في جانبه العسكري، وهو مصدر تهديد ليس لاسرائيل او لمصالح الولايات المتحدة فحسب، وانما في شكل خاص لكل بلد عربي يستشف من طموحات ايران التوسعية في المنطقة نمطاً يفجّر اذا استمر المجتمعات العربية من الداخل، دون احتساب قلق العواصم الاوروبية التي تراقب "شهاب 3" و"شهاب 4".

هكذا، فمن التهدئة في لبنان الى الترقب الثقيل في المنطقة، تتوضح سمات المرحلة القريبة المقبلة التي يمكن ان تفضي الى جملة صفقات في المنطقة، وفي المقابل يمكنها ان تفضي الى ما يبدو اليوم اقل الاحتمالات وروداً، اي الضربة الدولية لايران. ومعلوم انه متى بلغت الامور هذه الحدود، فلن يكون لايران حليف يعتد به. عندها ستصبح استعادة مشهد العراق قبل الحرب عام 2003، والمواقف الدولية والاقليمية التي كانت في العمق اما مؤيدة واما في احسن الاحوال حيادية في الافعال.

طبعاً، لا يرمي هذا الكلام الى دعوة اللبنانيين، ولا سيما الاستقلاليين منهم، الى العيش "على أمل" ضربة لايران تعيد ترتيب الاوضاع في المنطقة، وتحد من اندفاعة "حزب ولاية الفقيه" المرتبط عضوياً بماكينة النظام وخياراته الخارجية بكل المقاييس، بل ان الهدف هو القول ان ثمة خطراً حقيقياً من نشوب حرب كبرى في المنطقة تكون ايران محورها. فالاندفاعة الامبراطورية للجمهورية الاسلامية في ايران تكاد تبلغ ذروتها في كل اتجاه. والعشور بالخطر او بالقلق من طهران يبدأ في الهند ولا ينتهي في المغرب واوروبا. وثمة توافق عالمي، والصين وروسيا منه، على عدم السماح لايران، لا اليوم ولا غداً، بامتلاك السلاح النووي تحت اي ذريعة. ويوم تحين ساعة الحساب مع المجتمع الدولي (اذا لم تتراجع ايران) فان موسكو وبيجينغ ستكونان عملياً في الصف الآخر، وستجدان لذلك كل المبررات بسلسلة صفقات مع الاميركيين والاوروبيين.

هل هذا الكلام غير واقعي؟
يصعب الجزم بضربة اميركية او اسرائيلية متبوعة بأخرى اميركية، لكن هذا التمدد الايراني الذي تتجسد ذروته في المسألة النووية، هو مفتاح سحري لنشوء تحالف دولي كبير لاعادة ايران الى الخلف بعدما حققت قفزات كبيرة الى الامام.
من قال إن العدالة تسود العالم؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل