لأن السيادة أمرٌ "حاكم" ولأنّه يتعذّر فتحُ صفحة مستقبلية دفعة واحدة
"رزمة" مطالب سيادية لعلاقات "طبيعية" بسوريا
وردت العلاقات اللبنانية ـ السورية ضمن نصّ في إتفاق الطائف يقول "إنّ لبنان الذي هو عربي الإنتماء والهوية، تربطه علاقات أخوية صادقة بجميع الدول العربية، وتقوم بينه وبين سوريا علاقات مميّزة تستمدّ قوتها من جذور القربى والتاريخ والمصالح الأخوية المشتركة، وهو مفهوم يرتكز عليه التنسيق والتعاون بين البلدين الشقيقين في إطار سيادة وإستقلال كل منهما".
العلاقات "المميزة" تكون "طبيعية" إبتداءً
ثمّة الكثير ممّا يمكن قوله بشأن "العلاقات المميّزة" وكيفية أدائها من جانب النظام السوري كما من الجانب اللبناني في مرحلة الوصاية السورية التي فرضت على لبنان بعد إتفاق الطائف. بيد أنّ ما لا مفرّ من الإشارة إليه هو انّ وصف علاقات بين "جهتين" بأنّها "مميّزة" هو "إضافة" إلى كونها "طبيعية". وبكلام آخر، إنّ العلاقات "المميّزة" هي علاقات "طبيعية" ابتداءً، ولا تكون "مميّزة" أو لا تصبح "مميّزة" إلا متى كانت "طبيعية" في الأساس.
السيادة معيار حاكم
إذاً، لا بدّ من المطالبة بعلاقات طبيعية مع سوريا. ومعيارُ أن تكون طبيعية هو أن تقوم بين دولتين مستقلتين وسيدتين. لا بل إنّ مقياس السيادة هو الحاكم في العلاقات بين دولتين. ولا يمكن أن تكون العلاقات طبيعية ـ فكيف أن تكون مميّزة ـ بين دولة سيّدة وأخرى منتهكة السيادة من جانب الدولة الأولى أو مخترقة منها أو مستتبعة لها.
من هنا، وفي "موسم" البحث المتجدّد في العلاقات اللبنانية ـ السورية بمناسبة الزيارة التي يقوم بها رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى دمشق الأربعاء المقبل، من المنطقي إفتراض أن تمرّ هذه العلاقات بمرحلتين. الأولى هي مرحلةُ "التطبيع" أي إعادة العلاقات إلى صيغة أو وضعيّة طبيعية بإعمال معيار السيادة ـ للبنان خاصة ـ والثانية هي مرحلةُ مراجعة كلّ ما اتفق عليه سابقاً لتحديد الآفاق المستقبلية وتحديد معنى "المميّزة".
المرحلة الأولى و"رزمتها"
المرحلة الأولى، مرحلةُ إستعادة العلاقات إلى سياق طبيعي، تستدعي إنجاز "رزمة" من الخطوات التي تجمع بين تحقيق سيادة لبنان "في موازاة" سيادة سوريا من جهة وطيّ ملفّات من المرحلة السيئة السابقة من جهة أخرى.
وعدُ الرئيس السوري بشّار الأسد في باريس الشهر الماضي بإقامة تبادل ديبلوماسي مع لبنان، ما هو إلا بداية إعلان إحترام إستقلال لبنان في إنتظار تأكيد هذا الاحترام عملياً بفتح السفارتين في بيروت ودمشق في أقرب وقت.
"إحترام" الإستقلال اللبناني يترجمُ بالتبادل الديبلوماسي. والحديثُ هنا عن "إحترام" إستقلال لبنان وليس عن "إعتراف" بإستقلال لبنان، لأنّ إستقلال لبنان معترفٌ به من العالم كلّه ومطلوبٌ من النظام السوري إحترامه.
أمّا تأكيد إحترام إستقلال الكيان اللبناني بتأكيد إحترام سيادته، ولأنّ التبادل الديبلوماسي ينهض ـ تكراراً ـ على عامل السيادة، فهو يتطلّب أمرين عاجلين.
الحدود حدود السيادة
ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية في كلّ المناطق هو الأمر العاجل الأول. ذلك انّ الحدود هي حدود سيادة بل حدود السيادة. ومن هذا المنطلق، لا بدّ من ترسيم الحدود في منطقة مزارع شبعا، لأنّ صراع لبنان مع إسرائيل حول المزارع يتّصل بـ"طرف ثالث" هو سوريا، ومن أجل إستعادة المزارع إلى السيادة اللبنانية لا بدّ من تأكيد سوري لسيادة لبنان عليها. والتشديدُ على ترسيم الحدود في منطقة مزارع شبعا لا يقلّ عن التشديد على الترسيم في سائر المناطق الأخرى لأنّ الحدود تشهد إنتهاكات للسيادة اللبنانية في مجالات الأمن والتهريب وغيرهما.
السلاح خارج المخيّمات والسيادة اللبنانية
وإنهاء السلاح خارج المخيّمات الفلسطينية هو الأمر العاجلُ الثاني. وهذا الأمر هو مطلبٌ سيادي من ناحية لكنّه يدخلُ في إطار طيّ صفحة سوداء من المرحلة السابقة من ناحية ثانية.
ليس خافياً انّ مطالبة النظام السوري بتحمّل مسؤوليته في مجال إنهاء هذا السلاح، تستندُ إلى حقيقة انّه سلاح "تحمله" فصائل تابعة للنظام في دمشق وهي وحدها الفصائل المدّعية وصلاً بالقضية الفلسطينية وتنشرُ معسكرات وأسلحة خارج المخيّمات. وواقع الأمر انّ النظام في سوريا يستطيع ـ بسهولة ـ إنهاء هذا السلاح وقد تقرّر على طاولة الحوار الوطني في العام 2006، أو أن يرفع الغطاء عنه علناً وعملياً بما يمكّن الدولة اللبنانية من "التعاطي" معه.
المفقودون
وإذا كان من نافل القول إنّ في إمتداد هذا السلاح "السوري" المسمّى "فلسطينياً" تقعُ الشبكات الاستخباراتية التي "تركها" النظام السوري في لبنان بعد 2005 ممّا يجعلُه مطالباً بتفكيكها تأكيداً لإحترامه سيادة لبنان، فانّ العنوان الأبرز لطيّ ملفّات المرحلة السيئة السابقة هو حلّ ملف المعتقلين والمفقودين اللبنانيين في السجون السورية حلاً إنسانياً وحضارياً مُرضياً.
إذاً، إنّ المرحلة الأولى تشمل "رزمة" المطالب اللبنانية الآنفة بأفق تطبيع العلاقات اللبنانية ـ السورية أي جعلها علاقات طبيعية. ولا شكّ انّ هذه "الرزمة" يُفترض أن تحظى بعناية الرئيس سليمان. ذلك انّ إنجازها يسمحُ بعد ذلك بالانتقال إلى المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية رهنٌ بالأولى
في المرحلة الثانية، أي بعد أن "يعود" لبنان بلداً سيّداً تجاه سوريا، أي "متساوياً" معها، تتم "قراءة" المعاهدات والإتفاقات المعقودة بين الجانبين في مرحلة الوصاية السورية على لبنان، وإستبقاء ما هو جيّد بالتساوي للجانبين وبحث إتفاقات جديدة. وفي هذه المرحلة الثانية، يُصار تزامناً مع الإتفاقات، المُستبقى منها والجديد، إلى تحديد "الأطر" التي يجب أن تقوم في مجال التنسيق والتعاون اللبناني ـ السوري.. غير السفارتين. وبهذا المعنى، فأن يبقى "المجلس الأعلى" بصلاحيات معدّلة أو أن يُلغى، رهنٌ بمآل العلاقات من مرحلتها الأولى المقترحة إلى المرحلة الثانية.
شعبان في دولتين
إنّ كلّ المقدّمات الآنفة تهدف إلى إعلاء أولوية "مفهوم" السيادة في العلاقات اللبنانية ـ السورية كي تكون طبيعية إبتداءً، وكي يُتاح تطويرها وتميّزها لاحقاً، فتبنى على أساس انّ اللبنانيين والسوريين "شعبان في دولتين مستقلتين" تربطهما مصالح مشتركة وعمل مشترك، لا على أساس "شعب واحد في دولتين" وفق أيديولوجيا النظام الحاكم في دمشق.
العلاقة المطلوبة هي علاقةٌ من دولة إلى دولة، لا بين نظام في سوريا وجهات حليفة أو موالية في لبنان.. أي لا لعلاقة يحكمها توازن القوى بين سوريا ولبنان من جهة أو توازن القوى الداخلي في لبنان من جهة أخرى، كي لا يربط النظام السوري علاقته بلبنان بما سمّاه وزير خارجيته وليد المعلم "التغيير" في لبنان.. وكي لا تتغذّى في المقابل قناعةٌ لبنانية تربطُ بين مستقبل لبنان وتغيير النظام في سوريا.
