افتتاح مثير و56 مليار دولار كلفة الأولمبياد .. شمس الصين أشرقت على العالم
توحّد الصينيون فلماذا لا يتوحد اللبنانيون؟
لا شيء يجمع بين الصين الشعبية ولبنان، من الجغرافيا (الصين نحو مليون كلم2) ولا عدد السكان (نحو مليار وثلاثمئة مليون نسمة)، ولا النمو الاقتصادي (أكثر من 11%)، ربما شيء من التاريخ يجمع بينهما، وهو الحروب الأهلية والخارجية معاً. لقد عرفت الصين الشعبية بكثير من الدماء والدموع، أن تخرج منها لتبني الدولة ـ الأمة التي وحدت 56 وطنية (ليس بالمعنى الغربي الدقيق للوطنية) في صين موحدة، في حين أن اللبنانيين (18 طائفة) وعددهم لا يتجاوز عدد حي من أحياء شنغهاي، ما زالوا يعيشون هدنة بين حربين، لا يعرف أحد طولها والمستقبل الذي سيأتي بعدها.
سيادة "صنع في الصين"
لا شك أنه يمكن الغرف من بحر الصين والاستزادة من تاريخها كثيراً. واللبنانيون ليسوا وحدهم في موقف التناقض مع الصينيين، ولا هم وحدهم أيضاً في مقام الدهشة. الغرب كله مدهوش، أصلاً من هذه النهضة الاقتصادية المعجزة والمذهلة التي بدأت بشعار بسيط مأخوذ من يوميات الحياة "ليس مهماً لون الهر، المهم أن يصطاد الفئران"، من لا يعرف الصين ويتابع إعجازاتها التي أصبحت جملة "صنع في الصين" هي السائدة أو الغالبة على صناعات العالم بما فيها الأميركية، ليس عليه سوى متابعة حفلة افتتاح الألعاب الأولمبية، ليدرك ويتأكد فوراً أن كلمات من وزن رائع ومثير ومدهش لا تعني كثيراً، لأنها لا تجسد هذا الإعجاز الفني والثقافي، ولكن أيضاً الاقتصادي. وإذا كانت التحضيرات لهذه الألعاب قد كلفت 56 مليار دولار فقط، لاستكمال بناء البنى التحتية والملاعب وغيرها، وسبع سنوات من العمل المتواصل، فإن حفل الافتتاح الذي كلف 300 مليون دولار (يمكن مضاعفته عدة مرات في أي دولة أخرى استناداً الى الفروق الضخمة للأجور وللتكلفة)، جمع بين تقدم التكنولوجيا والمخزون التاريخي الفني للحضارة والثقافة الصينية.
من الصعب استعراض تفاصيل الحفل خصوصاً وأن ذلك سيكون له مكاناً آخر ومن المختصين، لكن يكفي تقديم بعض اللوحات التي كل واحدة منها تمثل مقطعاً غنياً من "القصيدة" التي شكلها الاحتفال لمعرفة ماذا يعني الكلام عن أن عصر الصين قد بدأ، وأن الكلام عن الخوف من استيقاظ التنين الصيني واقعي جداً.
2008 طبال، افتتحوا العرض ليرووا بالصوت والضوء "نهضة الصين من العزلة والفقر". أما اللوحة التي رسم فيها الراقصون بأجسادهم الشمس وهي تشرق بين الجبال، فإنهم أرادوا الإعلان بكل الألوان "أن شمس الصين تبزغ على العالم". وأخيراً وليس آخراً فإن لوحة السفن الصينية وهي تعبر المحيطات حاملة الى العالم الحرير فإنها تحكي أيضاً عن الصين التي سبق لها وغزت العالم بالتجارة، وها هي تعيد الماضي الى الحاضر، فالمستقبل، لتغزو العالم من جديد بالصناعات. يمكن الإشارة الى الطفلة المعجزة لي موي اي وهي تعزف وتغني، والى الـ56 طفلاً الذين يمثلون الـ56 وطنية وهم يعبرون ملعب "عش الطائر" الفريد بهندسته لتقديم الجيش وهو يرفع العلم الصيني.
بوش وماك ارثر
يطول كثيراً الحديث عن كل ثانية وليس لوحة واحدة من الافتتاح الذي حضره 91 ألف مشاهد ومن بينهم 80 زعيم دولة الى جانب الزعيم الصيني هو جنتاو والمليار إنسان الذين تابعوا الافتتاح في أربع رياح الأرض، عدا مليار صيني شاهدوا العرض على شاشات ضخمة نصبت في كل ساحة من ساحات المدن والقرى الصينية. يبقى أن الصينيين رغم ابتسامتهم الغامضة التي لا يمكن قراءتها بدقة واطمئنان ما إذا كانت ابتسامة محبة أو كراهية، انشدوا مع المجموعة المنشودة: "حضر الأصدقاء من بعيد كم نحن سعداء".
السؤال، ماذا عن زعماء العالم الحاضرين؟
لعل الرئيس جورج بوش أبرزهم، لأنه أولاً رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ولأنه يحضر الاحتفال العالمي الأخير قبل نهاية ولايته الرئاسية، التي بعدها سيحاول أن ينساه العالم مع العلم أن الأميركيين لن ينسوه خصوصاً وأنه سيكون أسوأ رئيس أميركي منذ الاستقلال، ومن الطبيعي أن يكون كل واحد من الحاضرين والمشاهدين قد تساءل بماذا يفكر بوش وهو يشاهد هذا الإعجاز. بالتأكيد لن يجد بوش في كل ما يراه سوى "شبح" خطر التنين الصيني وهو يتقدم لينزع من يد بلاده احادية قوتها التي فرضت إرادتها على العالم منذ انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي.
ربما أيضاً أن جورج بوش وهو يكتم "غيظه"، سيتساءل لماذا سلفي "اللعين" الرئيس ترومان أقال الجنرال ماك ارثر لأنه أراد ضرب الصين وكوريا الشمالية بنحو خمسين قنبلة نووية قبل بدء المفاوضات مع السوفيات. لو فعل ذلك لما وصلنا الى هنا، وكانت الولايات المتحدة قد حافظت على احاديتها في هذا العالم. فتش دائماً عن الخسارة في صعود المشاعر الإنسانية، الدليل أن بوش غزا العراق بعد أن نزع مشاعره، فحرم الصين وفرنسا من عقود نفطية مستقبلية.
نابليون والتنين الصيني
أما رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الذي نجح في طمأنة التنين الصيني، فقد بدا وهو يتبادل الكلمات مع جاره بوش، عن فعالية هذا المشهد الضخم في حجم المشهد الآخر الذي يمس مصالح بلاده ومنها في جورجيا، والمفاجآت التي ستتبلور لاحقاً وكيفية مواجهتها بمزيد من التحالف مع الصين، لعل هذا التحالف يضعف الولايات المتحدة الأميركية بأسرع مما هو متوقع.
بدوره نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي الذي أثار الكثير من "الزوابع" حول التيبت الى درجة طرح أسئلة كثيرة حول مشاركته الشخصية، ربما ابتسم وهو ينظر عبر الشاشة الى الفرنسيين، ليقول لهم: الآن عرفتم أهمية الصين وعقودها الواعدة بعشرات المليارات. ثم ألم يكن الامبراطور نابليون هو أول من حذر من استيقاظة التنين الصيني. وها أنا أعمل على ملاقاته في منتصف الطريق حتى لا نكون يوماً ضحية له.
عودة الى لبنان واللبنانيين المشغولين "بالأولمبياد البرلماني"، الذي مهما كان طويلاً ومرهقاً، إلا أنه يبقى علامة صحية تثير الارتياح النفسي، خصوصاً وأن "تسونامي" كلام النواب يحول دون انهمار الرصاص والمتفجرات والاغتيالات في مواجهات تنتهي دائماً بلا غالب ولا مغلوب. ماذا لو تعلم اللبنانيون القليل القليل من صبر الصينيين وإرادتهم بالنهوض ودقتهم بالعمل، وقبولهم بعضهم بالبعض الآخر رغم الفروقات العميقة التي تصل الى الانتماء القومي أو الوطني، الذي جعلهم شعباً واحداً في دولة واحدة تصنع التاريخ.
