افتتاح موسم لعبة أمم جديدة ؟

حجم الخط

افتتاح موسم لعبة أمم جديدة ؟

كشفت مداخلات النواب في اليوم الثاني من مناقشة البيان الوزاري عمق الانقسام بين خط انتفاضة الاستقلال من جهة، وخط الانقلاب المضاد الذي قاده "حزب ولاية الفقيه" نيابة عن السوريين والايرانيين في لبنان من جهة اخرى. وقد احتكم الى السلاح بعدما تبين ان المزاج العام في لبنان إثر انتفاضة 2005 لم يحد عن الخط السيادي الاستقلالي، فكان لا بد من تحويل السلاح نحو صدور اللبنانيين العارية التي حررت لبنان من الوصاية بالموقف والكلمة وخيار اللاعنف. في مجلس النواب بالامس كان واضحا ان نواب الامة الاحرار عكسوا مناخات شعبهم التي لم تتغيّر على رغم تعرضه لنار "الاخوة" في الداخل، وعلى رغم مسارعة القادة الاستقلاليين الى انتهاج خيار اللاعنف في موقف جاء مناقضا للمزاج الشعبي العام الذي لا يزال حتى اللحظة يغلي غضبا على غزوة بيروت، وبقية الغزوات من الجبل الى البقاع فالشمال.

اهم ما في المناقشات التي تابعها من تابعها، ان روح الرابع عشر من آذار ما تزال تنبض حياة من خلال التأكيد ان خيار التسوية، والتهدئة، واللاعنف لم يُضعف قوة المبادئ التي قامت عليها ثورة الارز. فخيارات النظام الديموقراطي الحقيقي، والتنوع، والديموقراطية، والاستقلال، ورفض التبعية لأي قوة خارجية هي حجر الاساس للموقف الشعبي اللبناني القائم على الايمان بالكيان متحررا من وظائف مفروضة عليه منذ عقود مؤداها، إن سادت، ان يتحول اللبنانيون اكياس رمل يحتمي خلفها نظام قمعي متخلف في دمشق، وآخر توسعي ظلامي في طهران.

نعم في لبنان تسوية لا أكثر. وأسس التسوية خارجية لا داخلية تقوم على منطق الانتظار السائد في المنطقة ريثما تتبلور الصورة بين طهران والمجتمع الدولي. وفي هذه الاثناء يعمل النظام في دمشق على تجميع اوراق مع الغرب تخوفا من عاصفة تتجمع غيومها في سماء المنطقة، من غير ان يعني ذلك ان احتمال الحرب على ايران بات اكثر ورودا من قبل. وعليه فالكل خائف، بمن فيهم من يرهنون مصير لبنان لحروب الآخرين ولبرامجهم النووية ولاحلامهم الامبراطوية فيزيدون تسلحهم، ويوسعون انتشارهم في المناطق التي لا صلة لهم بها ولا ببيئاتها المتنوعة، ويحاولون ان ينتزعوا من اللبنانيين شرعية لا يملكونها ولن يملكوها حتى وإن أقحمت كل عبارات الدنيا في بيانات وزارية. فالشرعية يجب ان تنطلق من قلوب اللبنانيين، وهذا لم يصر ولن يصير ما دام لهؤلاء مشاريعهم المنافية لمعنى الكيان اللبناني برمته.

من لبنان حيث التسوية مرحلية، وهي تلائم الجميع حتى إشعار آخر، ننتقل الى مسرح اوسع، الى ما يحصل في القوقاس، أي الحرب الدائرة بين روسيا وجورجيا تحت عنوان قضية مقاطعة اوسيتيا الجنوبية التابعة لجورجيا وفق التقسيمات التي نشأت عن انهيار الاتحاد السوفياتي السابق في 1991. فالحرب تلك اخطر من ان يُنظر اليها بعين اقليمية، بل انها وفق تطوراتها المرتقبة في الايام المقبلة يمكن ان تكشف لعبة امم كبيرة جدا تتصل بالعلاقات بين الشرق والغرب. فاشتعال حرب لم تكن حتى الآن ذات معنى حقيقي، مفتاح لفهم عناصر اللعبة. والموقف الاميركي مفتاح لفهم احد عناصر اللعبة على مستوى تبادل المصالح والخدمات بين موسكو وواشنطن. واخيرا ينبغي ان يتذكّر كل مراقب القاعدة الأهم في لعبة الأمم الكبرى: ان الصغار ممنوع عليهم ان يلعبوا في ملعب الكبار! هذا درس ثمين جدا يفترض حتى بالكبار اقليميا ان يحفظوه عن ظهر قلب، لانهم مهما انتفخوا يبقون صغارا بقياس لعبة الامم الكبرى، وتلك لها دولها الثماني ليس إلاّ! وايران ليست منها ولن تكون. فحذار ان يكون موسم لعبة الامم قد افُتتح بجورجيا، وإيران… اللاحقة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل