التسوية "الفوقية" بالملموس!
قدّم مجلس النواب في أيامه البرلمانية الثلاثة المنصرمة حتى الآن، في جلسة مناقشة البيان الوزاري للحكومة، ما كان يفترض به ان يقدمه تماماً الى الرأي العام المحلي وخصوصاً الخارجي، وان كان لا يزال هناك انشداد خارجي الى معرفة احوال اللبنانيين وسط تبدل احوال اهل الخارج انفسهم.
وما دام الرئيس نبيه بري اهدى العودة البرلمانية المظفرة الى اللبنانيين تحت شعار مزاوجة التاريخ الثلاثي للثلاث ثمانيات (الثامن من الشهر الثامن من السنة 2008)، كأنه مستوحى من الاسم الثلاثي او من تلة الـ888، فلا بأس من مشهدية ثلاثية أيضا يمكن ان تختصر الخلاصة الكبيرة لهذه الجلسة حتى قبل ان ان تحط رحالها عند حجم الثقة التي ستنالها الحكومة في نهاية هذه العودة "الى كنف المؤسسات".
الخلاصة الاولى تثبت ان الواقع الشرعي المؤسساتي في لبنان لا يزال رهينة واقع الارض او الواقع الميداني وليس العكس، بما يعني ان لبنان لا يزال بعيداً جداً عن استعادة ثقافة الدولة او انقاذها من استرهان موجات الاستقواء عليها. فهذا المجلس غُيّب سنتين عن الاضطلاع بدوره وذهبت سنتان من ولايته ضمن معادلة غريبة، هي انه من اكثر المجالس النيابية تمثيلاً ومن أقلها عملاً، وكأن قوة التمثيل باتت مفهوماً مرادفاً لتبرير التعطيل. لم يعد المجلس الى الحياة سوى بقوة تسوية سياسية اعتبر معها المعطل ان الشرعية هي ملاذه حين يكون في موقع الكاسب ميدانياً او سياسياً وليس من منطلق اقتناعه بالاصول الدستورية والقانونية. وهي حقيقة لا يمكن طمسها بكل طقوس الغبطة والترحيب بهذه العودة المظفرة.
الخلاصة الثانية هي ان التسوية الحكومية، التي تعتبر الثمرة الثانية لتسوية الدوحة بعد انتخاب رئيس الجمهورية، لا تزال تسوية فوقية ولم تتسرب او تتعمق بعد حتى الى الطبقة السياسية والنيابية الأعم والاوسع من طبقة الزعامات، فكيف بالطبقات الشعبية".
لقد كشفت عشرات الكلمات والمداخلات الشفوية والخطية للنواب حتى الآن ان التسليم بالتسوية هو قشرة هشة تغطي طبقات كثيفة وعميقة وخطيرة من الاحتقانات، ولم تقوَ اطلاقا على طمس معركة طويلة ومستمرة بين مشروعين سياسيين كبيرين عجز التنميق اللفظي واللغوي في البيان الوزاري عن إحداث تجميلات في واقعها. اما الخلاصة الثالثة فهي الأشد وطأة لانها ترتبط بالمستقبل القريب جداً والذي سينقل مناخ المناقشات النيابية الى طاولة الحوار في قصر بعبدا. هذا الحوار سيجري بين ظروف اقليمية حائرة ومائعة من جهة وظروف تسووية شكلية داخلية من جهة اخرى. واذا كانت المناقشات النيابية عكست بحق صدق التوجهات والانفعالات من دون رتوش ومجاملات، فليس ثمة ما يستدعي املا كثيراً في نجاح الحوار العتيد سواء في قضيته الأم المطروحة وهي الاستراتيجية الدفاعية او في قضايا أخرى مرشحة للبحث.