سؤال يلحّ عن جدوى مؤتمر بعبدا للحوار في ظلّ تعذّر الإتفاق اللبناني ـ اللبناني ووسط التوتّرات الإقليمية القائمة
إطارٌ لـ"صراع تفاوضي" يقتضي إدخال "الناس" فيه
مع إقتراب موعد مؤتمر الحوار الوطني برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان وبـ"مشاركة" الجامعة العربية، ثمّة سؤالٌ يُطرح على نطاق واسع منذ بضعة أيام عمّا إذا كان في وسع هذا الحوار أن ينتج حلاً لأكثر القضايا الخلافية حدّة المتعلّقة بالدولة وسيادتها وحصرية السلطة العسكرية والأمنية في يدها.. أي ما إذا كان في وسعه أن ينتج إتفاقاً لبنانياً ـ لبنانياً في هذا المجال.
تجربة البيان الوزاري وحدود "الصناعة اللبنانية"
ينطلق هذا السؤال من "حيثيات" عدة.
الأولى هي تجربة البيان الوزاري للحكومة والذي وصف بأنه "صناعة لبنانية". فعلى أهمية البيان لجهة التشديد على وحدانيّة الدولة ومرجعيّتها، إلا ان سيادة الدولة أو أدوارها السيادية لم تُحسم على نحو "نهائي" بدليل أن "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته "يُفسّر من جانب "حزب الله" وبعض حلفائه على انه ثلاثة حقوق، واحد للشعب وثانٍ للجيش وثالث للمقاومة وليس حقاً واحداً للبنان، أي للدولة التي "تنظم" العلاقة بين المكونات تحت سقف مرجعيتها الدستورية والسياسية. وهذا ما يعني أن أقصى ما يمكن لحوار لبناني (لبناني كما في لجنة صياغة البيان الوزاري ومجلس الوزراء) أن يتوصل إليه هو إتفاق "غير محسوم" أو إتفاق فيه قدرٌ من الإلتباس.
تجربة جلسات الثقة والحوار السابق
والثانية هي تجربة النقاشات النيابية للبيان الوزاري خلال اليومين الماضيين. فقد نصب "حزب الله" حواجزه في المجلس النيابي. وانبرى عدد من نوّابه إلى تحديد ما يجوز قوله وما لا يجوز.. ما هو حقّ للنواب وما ليس حقاً لهم. وصار ذكر "حزب الله" اسمياً سبباً لعنف كلامي وترهيب. وهذا يعني أن "حزب الله" يفرضُ فرضاً ما هو متاحٌ النقاش فيه وما هو غير مسموح، ويعتبر ما ورد في البيان الوزاري حداً أقصى لـ"تنازلاته" (!).
والثالثة هي تجربة الحوار الوطني "السابق" في العام 2006، كما تجربة ما بعد "إتفاق الدوحة" في الشهور الثلاثة الماضية. في حوار 2006 توصّل المتحاورون إلى تفاهمات في عدد من المسائل الرئيسية، لكن "المعارضة" عطّلت تطبيقها بذرائع شتّى، لا بل جاءت حرب تموز في ذلك العام لتقطع الطريق على "تتمّة" الحوار. وكذلك، شهدت الأسابيع التي تلت "إتفاق الدوحة" خروجاً على نصوصه "الأمنية" حيث كانت فتنٌ متنقلة أشعلتها "المعارضة" في غير منطقة حسّاسة من لبنان، لا سيما في طرابلس والشمال.
التوترات الإقليمية
أما "الحيثية" الرابعة، فهي انّ مؤتمر الحوار العتيد في بعبدا، يتزامن مع معطيات إقليمية متوترة. ففي جانب من هذه المعطيات الإقليمية المتوترة أنّ الأزمة بين إيران والغرب والمجتمع الدولي لا تزال مستعصية على الحلول الديبلوماسية بالرغم من مرور بضعة أيام ساد خلالها "تفاؤل" نسبي عاد ليخلي مكانه لتوقعات "متشائمة". وفي جانب آخر من المعطيات، يبرزُ التصعيد المتبادل بين "حزب الله" وإسرائيل. "حزب الله" يستحضر "المقاومة الإسلامية" قبل أيام في بيان يعلنُ "حضورها" وإستعدادها للتصدّي للخروق الجوية الإسرائيلية. ولا تتأخر إسرائيل في إعلان أنّ الحزب زاد تسلّحه بعد القرار 1701 وانه نصب صواريخ مضادة للطائرات في البقاع اللبناني، وأنّ ذلك كلّه يستدعي "رداً قاسياً". وبين هذا الجانب وذاك، يمضي النظام السوري في مفاوضاته "غير المباشرة" مع إسرائيل، وفي إطارها "يتعهّد" نظام دمشق لإسرائيل بـ"الحياد" في أي مواجهة تنشب بينها وبين "حزب الله"، وبالإمتناع عن تمرير مزيد من التسلّح إليه عبر سوريا.. حتى كان اغتيال العميد السوري محمد سليمان على تقاطعات إسرائيلية ـ سورية ـ إيرانية.
الموازين الخارجية
وإذا كانت "الحيثية" الآنفة تفيد أنّ ثمّة "ما يموج" إقليمياً، فإنّ "الحيثية" الخامسة تعبّر عن شعور دائم لدى شطر كبير من اللبنانيين بأنّ "حلّ" الأزمة في لبنان في "عمقها" رهنٌ بموازين قوى خارجية، إمّا أن تكون موازين "تسويات" إقليمية ـ دولية أو أن تكون موازين "قوّة" في اتجاه توليد مناخات إقليمية مختلفة.
مؤتمر بعبدا: أيّ جدوى؟
إذاً، للسؤال المطروح في بداية هذه السطور أسبابه وحيثياته. وممّا جرى إستعراضه آنفاً، يمكن إستنتاج انّ الظروف المحلية والخارجية القائمة الآن لا تبعث على الاعتقاد أنّ حلاً لبنانياً ـ لبنانياً أو تسوية لبنانية ـ لبنانية لصالح سيادة الدولة وحصرية الصلاحية العسكرية والأمنية بين يديها، يمكنُ التوصّل إليه في مؤتمر بعبدا للحوار الوطني.
ومع ذلك، لا يجوز لهذا الإستنتاج المنطقي أن يشكّل حكماً على المؤتمر، أي أن يُحكم عليه بعدم الجدوى بالمطلق.
فمن حيث "المبدأ" لا يمكنُ رفض الحوار، خاصة أنّ الداعي إليه هو رئيس الجمهورية بناءً على "إتفاق الدوحة" برعاية قطرية ـ عربية ودعم دولي.
أمّا الجدوى، فهي أنّ المؤتمر ـ كأي مؤتمر ـ يشكّل إطاراً لما يُسمّى "صراعاً تفاوضياً". ومؤتمر بعبدا لا بدّ أن يكون بالنسبة إلى 14 آذار إطاراً لصراع تفاوضي مع "حزب الله" بشكل خاص. ولمّا كان من غير المتوقع أن تبقى جلسات المؤتمر "مفتوحة" على مدار الأيام، و"يُقال" انه سيجري تفريعه إلى لجان، فلا بدّ أن تكون اللجان مجالاً لصراع تفاوضي أيضاً. وأهمية المؤتمر سواء كانت جلساته مفتوحة أو جرى تفريعه إلى لجان متابعة، انه يمكنُه أن "يحضر" ـ أي أن يكون موجوداً ـ في أي لحظة تبرز معطيات محلية أو خارجية مؤاتية لتفاهم يبدو مستعصياً حتى الآن.
14 آذار و"الحلقة المفرغة"
غير انّ ثمّة ـ في مجال الحديث عن صراع تفاوضي ـ نقطة تستحق التوقّف عندها.
تؤكد 14 آذار بجميع مكوّناتها أنّها لن "تردّ" على سلاح "حزب الله" بالسلاح أي بالتسلّح المضادّ، وقد مارست قناعتها هذه خلال الفترة السابقة، لا سيما في أيار الماضي. وهذا موقفٌ وطني مبدئي.. وحكيم.
وتقول إن الأمن الشرعي، أي الأمن الذي تتعهّده أجهزة الدولة وتفرضه هو البديل، لكنها توجّه إنتقادات محقّة إلى الأمن الشرعي وترى انه "غير قادر" تارة و"غير راغب" تارة أخرى على فرض نفسه أو في فرض نفسه.
ولذلك ثمّة "حلقة مفرغة": لا ردّ على سلاح "حزب الله" بالتسلّح، والأمن الشرعي بين غير قادر وغير راغب. فكيف تواجه 14 آذار إذاً هذه الإشكالية، وكيف تواجه السلاح؟.
المطلوب من 14 آذار إذاً درس هذه المسألة. وفي سياق الدرس، يبدو ضرورياً بحث كيفية إدخال "الناس" في مواجهة السلاح، أي أن يكون لـ"الناس" دورهم في المواجهة السلمية الشعبية للسلاح.. نوعٌ من الإنتفاضة اللاعنفية ضدّ العنف.
وهكذا خطوة مفيدة في حساب "الصراع التفاوضيّ" الآتي.