Site icon Lebanese Forces Official Website

لكن انتخابات الربيع يفترض أن تحسم

هي "تهدئة" تستحق تبادل التهاني لا ريب
لكن انتخابات الربيع يفترض أن تحسم!

تسابق اللبنانيون، ومعهم العرب وبعض العالم، على تبادل التهاني بانجاز البيان الوزاري للحكومة. وقبل ذلك، كانوا فعلوا الشيء نفسه بمناسبة التوقيع على اتفاق الدوحة ثم بالاتفاق على تشكيل الحكومة.. وغدا، ربما يتبادلون التهاني بتعيين قائد للجيش وعدد من المسؤولين الأمنيين والاداريين هنا وهناك.
لماذا؟!، لأن ما قبل الدوحة كان أشبه بجرف يوشك على الانهيار، ولأن ما بعدها لم يفعل الا أنه أرجأ الموعد المريع.

ذلك أن أحدا لم يثق ولو للحظة بأن اتفاقا، أو حتى تسوية، قد تم التوصل اليها، بل وبأن اتفاقا من هذا النوع كان ممكنا تصوره قبل أن تتضح جملة التحولات التي بدأت في المنطقة منذ اغتيال القيادي في "حزب الله" الشهيد عماد مغنية في شهر شباط الماضي. وللتذكير، فلم تأخذ المفاوضات بين سوريا واسرائيل حول "السلام الكامل في مقابل الانسحاب الكامل من الجولان"، والاتصالات بين ايران والولايات المتحدة حول "الحوافز لوقف التخصيب النووي الايراني"، شكلها العلني والجدي الا بعد ذلك التاريخ.

أكثر من ذلك، فلم يكتشف اللبنانيون، ومعهم بعض العرب أيضا، الذين ظنوا لفترة أن حروبهم الأخيرة "لبنانية" بغالبيتها العظمى، أنهم واهمون في ما ذهبوا اليه، وأن أيدي خارجية تلعب بهم وبحروبهم وحتى بمستقبلهم ومستقبل بلدهم، الا بعد ذلك.

وهكذا فان لبنانيا واحدا، خصوصا بعد 7 و8 أيار، لم يعد يشك في أن ما يشهده بلده منذ اتفاق الدوحة هو مجرد "تهدئة"، مطلوبة اقليميا ولو لفترة زمنية محددة من جهة وتحتاج اليها أطراف لبنانية بعينها من جهة ثانية، وفي أن "ملابسات" تشكيل الحكومة ثم صياغة بيانها الوزاري (وأي قرار آخر قد تتخذه !) ليس سوى تجسيد على الأرض لهذه الحقيقة. بل انه اذا كان صحيحا أن ما يسمى بـ"الثلث المعطل" في الحكومة قد لا يستخدم الا في ما ندر، فالصحيح أيضا أن التزام "التهدئة" لن يخرج عن الطريقة اللبنانية التقليدية في التعامل مع اتفاقات وقف اطلاق النار على امتداد خمسة عشر عاما من الحرب الأهلية.
… وطريقة تبادل التهاني في الشهرين السابقين، وفي كل مناسبة "سعيدة" مقبلة، انما لتأكيد هذا العرف.
ما يبقى أن أبسط ما يمكن قوله، في وصف الواقع الراهن، هو أن فريقا لبنانيا يلتزم بدقة حالة "تقطيع الوقت" بانتظار ما ستؤول اليه التحولات الجارية في المنطقة، وبالنسبة الى ملفات غير لبنانية أصلا، فيما يسعى فريق ثان، وبكل رضى وقبول، الى مراعاة هذه الحالة أملا في انقاذ ما يمكن انقاذه من وحدة الشعب والمجتمع والدولة. وما الانتقادات العلنية التي توجه حاليا الى هذا الفريق، وبعضها قاس جدا ومن قواعده الشعبية وبعض نخبه الفكرية والسياسية، الا على خلفية هذه المفارقة التي يصعب لدى الكثير من اللبنانيين تفهمها. ولأن الفريق الأول يحرص، في كل مناسبة وحتى من دون مناسبة، على اظهار نفسه في صورة "المنتصر" ان في اتفاق الدوحة أو في ما سبقه (7 و8 أيار) أو في ما تلاه (تشكيل الحكومة والبيان الوزاري)، فان المفارقة هذه تزداد تعقيدا والتباسا.

مع ذلك، وعشية الموعد الدستوري للانتخابات النيابية في الربيع المقبل، يجوز توقع أن يتحمل لبنان كل ما يخطر في البال من مناورات وأعمال شد وجذب وعض على الأصابع، اقليميا ودوليا وبالتالي لبنانيا، لتمرير المرحلة. لكن الأهم من ذلك كله أنه سيكون على اللبنانيين، من خلال صناديق الاقتراع هذه المرة، أن يقرروا مستقبل بلدهم (سيدا حرا، أو ساحة للآخرين) أيا كانت المحصلة النهائية للتحولات الاقليمية والدولية في المنطقة.
فتلك هي المعضلة، كانت وتستمر حتى الآن، ومن غير المنطقي أن يتعايش معها اللبنانيون الا في حدود "تهدئة" مؤقتة، أو "هدنة" موقوتة، اذا كان لهم أن يحفظوا استقلال بلدهم ووحدته واستقراره، فضلا عن ازدهاره ووقف النزف البشري المريع الذي يتعرض له منذ سنوات.

واللبنانيون، كل اللبنانيين، باتوا يدركون جيدا، وبالتجربة والخبرة المكتسبة على الأقل، أنهم لا يملكون العيش في عزلة عن المنطقة ومشكلاتها المعقدة، الا أنهم يدركون في الوقت نفسه، وبالتجربة والخبرة اياهما، أن تحويل بلدهم الى ساحة لتسوية هذه المشكلات (وربما لتصفية الحسابات، تحضيرا لتلك التسوية) لم يكن يوما الا عامل تهديد جدي لوحدة البلد واستقلاله، وحتى لبقائه على قيد الحياة.

وليس في اتفاق الدوحة، الأخير في سلسلة الاتفاقات بين الفرقاء، اتفاق على شيء من ذلك .. ولا طبعا في انتخاب رئيس للجمهورية، أو في تقاسم الحقائب داخل الحكومة، أو في الصيغة الملتبسة للبيان الوزاري، وصولا الى ما سيلي ذلك كله من مساومات وتسويات على هامش ما يعترف الجميع بأنه اتفاق على "التهدئة".

على خلفية ذلك، لم يعد عيبا، ولا مدعاة لأي خجل، أن يعلن بعض قادة الفرقاء، غداة التوقيع على اتفاق الدوحة، أن في استطاعة اللبنانيين ومن يريد من العرب أن يتمتعوا بفصل صيف بارد … أو أن يصف آخرون ما تشهده البلاد في هذه الفترة بـ"الواعد" على صعيد حل بعض مشكلات اللبنانيين الاقتصادية والاجتماعية والحياتية بعد أن دخلت أزماتهم في ما يشبه عنق الزجاجة.

هي "تهدئة" اذا، وان تكن تستحق تبادل التهاني.. ومشاركة بعض العرب وبعض العالم في كرنفالاتها، ومهرجاناتها الفولكلورية الصيفية.
وهي "تهدئة" أولا وقبل كل شيء، لأن الفرقاء على الساحة اللبنانية، أو بعضهم على الأقل، لم يعودوا يملكون القدرة (ولا ربما الارادة) للخروج من مستنقع تحولهم أدوات في لعبة عابرة للحدود، حتى ولو تبين أن اللعبة، فضلا عن أهدافها القريبة والبعيدة، تقف على طرفي نقيض مع مصالح بلدهم وشعبهم الملحة والآنية.

وفي أثنائها يتأكد مجددا أن خيطا رفيعا يفصل بين قدرة بلد ما، فضلا عن اصراره الكامل كما هو حال لبنان، على تنفس هواء المنطقة التي يعيش فيها (العربية طبعا) وبين حاجته الملحة في الوقت نفسه الى العيش مستقرا وحرا وكريما.

هذا الخيط الرفيع هو ما ينبغي على اللبنانيين رسمه وتحديده بدقة وعناية كاملتين، ولن يتمكنوا من شيء من ذلك، بالخبرة والتجربة السابقتين كذلك، ما لم يتفلتوا من ماضيهم (وحاضرهم) كقبائل وعشائر سياسية ومناطق وطوائف ومذاهب.

السؤال تطرحه الانتخابات النيابية المقبلة أكثر من أي موعد آخر، أو "تهدئة" أخرى:
… هل يفعل اللبنانيون ذلك، من خلف الستائر المرفوعة حول صناديق الاقتراع هذه المرة، أم أنهم سيعيدون الكرة اياها مجددا ؟!.
هل ينتخبون مجرد ممثلين لنزعات قبائلهم ومناطقهم وطوائفهم ومذاهبهم، أم أن الهدف سيكون خياراتهم السياسية وهواجسهم في بقاء وطن؟!.

Exit mobile version