Site icon Lebanese Forces Official Website

عراقيل تواجه الاتفاق على الاستراتيجية الدفاعية

بعدما دخلت الاعتبارات الانتخابية على الموقف من سلاح المقاومة
عراقيل تواجه الاتفاق على الاستراتيجية الدفاعية

عكست مناقشات النواب للبيان الوزاري، عمق الانقسام حول سلاح المقاومة، وذلك لاول مرة بعدما تحول هذا السلاح الى الداخل. فبعضهم يريد ان تكون المقاومة حرة في تحركها عند مواجهة اسرائيل، لان لهذا التحرك اسلوباً يختلف عن اسلوب تحرك الجيش، وبعضهم الآخر يريد ان يكون هذا التحرك خاضعاً لمرجعية الدولة وحدها ولقراراتها.

واللافت في المناقشات كان كلام عدد من النواب، وبخاصة كلام العماد ميشال عون الذي جاء مختلفاً تماماً عن كلامه في مناقشة بيان حكومة الرئيس السنيورة قبل ثلاث سنوات تقريباً اذ قال يومها: "من حق المقاومة تحرير الانسان والارض خصوصاً في وضع الاحتلال، لكن ينبغى في هذه الحال على الحكومة ان تحدد الحدود اللبنانية بالضبط وما هي رقعة الارض غير المحررة حتى تعرف الحدود والاراضي التي على اللبنانيين تحريرها مع الظروف الموضوعية التي تجعل المقاومة تسلم سلاحها الى القوى المسلحة اللبنانية، لتصبح الدولة اللبنانية مسؤولة في صورة نهائية عن الامن والدفاع عن الوطن".

وعلّق العماد عون على موضوع "وضع المقاومة في اطار نضال عربي" الذي ورد في البيان الوزاري السابق بالقول: "ينبغي معرفة من هي الدول المشتركة في هذا النضال كي يستطيع لبنان التركيز في المقاومة ضمن الدول العربية، لكن هذا النضال العربي الذي ينبغي ان يكون مشتركاً ليتحمل الجميع تبعة القيام به، غير موجود، لان سوريا مرتبطة باتفاق 1974 بحيث انها لم تطلق رصاصة واحدة في الجولان، والاردن وقع اتفاق سلام مع اسرائيل، ومصر كانت اول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع اسرائيل. فمن هي اذاً الدول العربية المناضلة لكي يضع لبنان نفسه ضمن اطار هذا النضال؟".

وعلّق العماد عون ايضاً في كلمته على موضوع الامن الذي طرحته حوادث امنية وتفجيرات عديدة واغتيالات بواسطة سيارات مفخخة مسروقة منذ مدة تنطلق من اماكن اختفاء معينة فاعتبر "ان وضع الاجهزة مشلول في شكل تام ومعنوياتها محطمة وهي لم تخضع لاي اعادة ترميم وهيكلة، وحتى في حال بنائها مجدداً وتزويدها اجهزة تقنية، فهي لن تستطيع ممارسة دورها لان هناك اماكن محميات كثيرة تخفي المخالفين او الخارجين عن النظام العام. لذلك، فمهما كانت قدرات القوى الامنية وظلت هناك اماكن محجوبة عن نظرها وعن مراقبتها، فستبقى هناك اماكن يدخل اليها المجرمون ويحتمون بها" لذا طلب العماد عون من وزير الداخلية وضع خريطة امنية يضمّنها النقاط الحمر المنتشرة على مختلف الاراضي اللبنانية والتي هي محرمة على قوى الامن الداخلي وعلى القوى العسكرية.

هذا هو موقف العماد عون من المقاومة قبل ثلاث سنوات ومن وضع الأمن، ربما لان "حزب الله" كان يومذاك ضمن "التحالف الرباعي"، اما اليوم، وقد اصبح هذا الحزب حليفاً له، فقد تغيّر موقفه من المقاومة، فقال مدافعاً عنها عند مناقشة البيان الوزاري للحكومة الحالية، "عندما نتحدث عن المقاومة، فإن المقاومة هي اسلوب والدفاع الكلاسيكي اسلوب، وان لا تمييز بين مقاومة شعبية بمعنى حق الدفاع المشروع عن النفس. وكنت اتمنى الا يذكر في البيان جيش وشعب ومقاومة لاننا هوية واحدة وليس ثلاث هويات. الجيش يعمل باسلوب كلاسيكي والمقاومة تعمل بأسلوب حرب العصابات والشعب يعمل بعصيانه على قوى الاحتلال عندما تحتل الارض، إذاً فالشعب والجيش والمقاومة هوية دفاعية واحدة تتكامل على الارض بالاسلوب وليس بالهوية والهدف. فعندما نبحث استراتيجية الدفاع ينبغي تناول المقاومة كأسلوب لان كل لبناني له الحق في ان يكون في المقاومة، وله الحق في ان يختار اسلوب المقاومة للدفاع عن بلده". وختم بالقول: "بهذا المفهوم سندافع دوماً عن المقاومة وعن استراتيجية الدفاع لانها الوسيلة الوحيدة التي يمكن ان تؤمن لنا جزءاً من التكافؤ مع العدو الذي يواجهنا دائماً".

هذا الانقسام في النظرة الى المقاومة لا يبشر بامكان التوصل بسهولة الى اتفاق حول طاولة الحوار على موضوع "الاستراتيجية الدفاعية" و"الاستراتيجية التحريرية" خصوصاً الاخيرة، وهل ينبغي ان يحرر لبنان ما تبقى من ارضه بالوسائل الديبلوماسية وبالمفاوضات، كما تفعل سوريا لاستعادة الجولان وكما فعلت من قبل مصر والاردن، ام بالوسائل العسكرية، وهي وسائل ترفضها اكثرية الشعب اللبناني لانها باتت كما قال الرئيس السنيورة في كلمته الملحقة بالبيان الوزاري: "ما عاد مقبولاً ولا معقولاً ارتهان ارواح المواطنين واستقرارهم وامنهم بذريعة اي هدف كان. فالغاية لا تبرر الوسيلة، وطننا ليس حقل تجارب او ساحات، ما عادت المغامرة ممكنة ولا عادت الخسارة مقبولة وما عاد المواطن اللبناني يتحمل المجازفات ولا الفتن الداخلية. ما عاد مقبولاً ان يظل امن المواطن عرضة للاهتزاز والانتهاك وعيش المواطن عرضة للضياع. فاللبنانيون يريدون مرجعية واحدة ووحيدة يأمنون اليها وتحمي حقوقهم ومصالحهم وعيشهم الواحد وخصائص بلدهم في الحرية والديموقراطية والتنوّع".

واعتراض النائب علي عمار من كتلة "الوفاء للمقاومة" على هذا الكلام لانه يؤكد مرجعية الدولة، وتدخل الرئيس بري بالقول ان كلمة الرئيس السنيورة لا تدخل في البيان الوزاري ولا تلتزم الحكومة بها، يدلان بوضوح على ان الخلاف سيكون عميقاً في مؤتمر الحوار الوطني على مضمون الاستراتيجية الدفاعية ولا سيما التحريرية، لان ثمة طرفاً لبنانياً يريد ان يكون لبنان دولة مساندة وصمود وطرفاً آخر يريده ان يكون دولة مواجهة. طرف يريده ان يكون هونغ كونغ وآخر يريده ان يكون هانوي. طرف يريد ان تكون المقاومة حرة في تحركها لمواجهة العدو الاسرائيلي او عند قيامها بتحرير ما تبقى من ارض لبنان بدون العودة الى مرجعية الدولة، وطرف يريد اخضاع تحركها لمرجعية الدولة، لانها تتحمل مع الشعب عواقب ذلك وهو ما حصل في حرب تموز 2006 عندما اختطف "حزب الله" الجنديين الاسرائيليين، فكانت تلك الحرب المدمرة التي لم يكن الامين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله نفسه يتوقعها بهذا الحجم والا لما كان الحزب اقدم على ما اقدم عليه كما قال.

ويمكن القول ان الوضع اليوم بات اشد خطورة على لبنان واللبنانيين مما كان عليه قبلاً وذلك بعدما واصلت اسرائيل تهديداتها وقالت انها ستحمل لبنان المسؤولية عن أي هجمات ضدها وخصوصاً عن اي محاولات لـ"حزب الله" للانتقام من مقتل قائده العسكري عماد مغنية وان هذا القرار اتخذه المجلس الوزاري الامني، وهو يمثل تغيراً في السياسة الاسرائيلية بعدما كانت تصر دائماً على الفصل بين "حزب الله" والحكومة اللبنانية، فإذا هاجم الحزب اسرائيل من داخل الاراضي اللبنانية او اطلق النار على طائرة عسكرية اسرائيلية او نفذ هجوماً في الخارج، فإن اسرائيل سترد بالشكل المناسب، واذا كانت اسرائيل قد تجنبت في حرب تموز إلحاق اضرار بالبنية التحتية المدنية اللبنانية مثل محطات الطاقة او الموانئ او المؤسسات الحكومية بسبب الضغوط الاميركية، فإنها لن تتجنب ذلك في حرب جديدة.

ان هذا يعطي دليلاً كافياً على وجوب ان تكون الدولة وحدها هي المرجعية في اتخاذ قرار الحرب كي تتحمل كامل المسؤولية، لا ان تتحمل هذه المسؤولية بقرار من المقاومة ومن "حزب الله" او من اي جهة اخرى. فليس مقبولاً ولا معقولاً ان يغتال القيادي عماد مغنية في دمشق ولبنان يدفع الثمن، وليس مقبولاً ولا معقولاً ان يذهب لبنان وحده الى الحرب مع اسرائيل فيما سوريا الدولة الاقوى، تذهب معها الى السلام، ولاترد حتى على اختراق الطائرات الحربية الاسرائيلية اجواءها، وتقصف في عمق سوريا. فلماذا مطلوب من لبنان، الدولة الصغيرة والضعيفة ما ليس مطلوباً من سواه وهو الاكبر والاقوى؟!

Exit mobile version