قصة قديس: القديس شربل

حجم الخط

قصة قديس: القديس شربل
اقتباس ربيع يعقوب (الحلقة التاسعة)

صباح اليوم الثاني لعيد الميلاد، نحو الساعة العاشرة، جرى جناز للحبيس غاية في الخشوع. بعد نهاية الجناز، حمل الرهبان جثمانه مكشوف الوجه، ملفوفاً بعباءته حسب التقليد الرهباني، الى مثواه الأخير بينما الجرس يقرع حزناً والترانيم المارونية تتلمس رحمة السماء.

كان الجمع قد هرع كأنه شعر ان الأرض تفقد قديساً. هذا جاث يصلي وذاك واجم يبكي وتلك تنتحب وتلطم الصدر… . يسير الموكب ببطء نحو المقبرة حيث يوارى الحبيس بدون تابوت مكفناً بثوبه الحقير. كان البعض يشتهي للحبيس التقي دفنة خاصة، لكن قانون الرهبانية لا استثناء فيه. سيرقد الأب شربل كما اخوته الرهبان الذين سبقوه.
لوحا خشب موضوعان على حجرين يرفعا التابوت عن الأرض الموحلة، لكن ماذا عن مياه المطر التي تتسرب من الجدار والسطح، اليست قادرة ان تقوم بعملها المبيد؟ للمرة الأخيرة يبخر القبر فينضح بالماء المبارك، ثم يوصد بحجر ضخم توثق جوانبه بالطين مجبول بثلج.

ازاء جدار الكنيسة رقد الأب شربل مريحاً رأسه على مقربة من المذبح حيث تقام كل يوم ذبيحة القداس. انصرف الجميع مصلياً ومردداً "هنيالو قديس"! "الدورة علينا نحنا الله يرزقنا شفاعتو".

انوار على القبر

بعد بضعة اسابيع، جاء وفد من القرويين الى الدير لمقابلة الرئيس. يدخل الرئيس فيبادره احدهم ويدعى جورج عمانوئيل قائلاً:

– نعم يا بونا الريس، هالليلي متل كل الليالي شفنا الضو ساطع ع قبر البونا شربل.

ثم تؤكد المدعوة ميلادة ارملة طنوس شحادة من مشمش قائلة:

– انا والكل شفت الضو. شفتو بعيوني عدة مرات. بيتنا قبال الدير، مين ما كان بيقدر يشوف الضو منو.

ويصرح بطرس سليمان ضاهر متحمساً:

– وانا يا بونا الريس شفت الضو، بيتنا بوج الدير متل ما بتعرف. كون ع ثقة اني عم بحكي الحقيقة.

ويؤكد القرويون الآخرون هذه التصريحات عن النور العجيب، ويشهدون بأنهم رأوا هذا النور اكثر من مرة منذ عدة اسابيع.

ما بال الرئيس الذي يصغي الى هؤلاء الشهود لا ينبس بكلمة ؟ انه مقتنع بقداسة حبيسه، ولكن هل يجب ان يصدق اقوال هؤلاء القرويين البسطاء؟ بإشارة رصينة يهديء اعصابهم المتحمسة ثم يقول لهم:" معقول كتير يكون هالعمبتقولوه صحيح مية بالمية، بس انا بقلكن بصراحة غير ما شوف بعينيي هالضو ما رح صدق. واجب اقشعو انا بذاتي. وقت البتشوفو الليلي عطوني اشارة: ضرب قواس، ت نقول وبطلع وبشوف معكن. مأكد عم تقولو توما ما بيآمن ت يحط اصبعو. هادا صحيح، انا ما رح آمن تا شوف الضو بعيني.
يجيب القرويون بالإجماع:"اتفقنا ع العلامي: ضرب قواس."

شاهد مسلم

الوقت ليل. اربعة فرسان بقيادة مدير المنطقة، وهو شيعي يدعى محمود حمادة من قرية حجولا، يقرعون بعنف باب الدير فيفتح لهم الأخ الياس. يقول المدير:

– نحنا من رجال الأمن عم نطارد شقي وتأكدنا انو تخبا هون. يدخلهم الأخ الى قاعة الإستقبال. يصل رئيس الدير. بعد التحية يعيد المدير قوله:

– عم نفتش ع مجرم. منبعيد شفنا ضو حد الدير، جينا وبس وصلنا اختفى كل شي. شو معناها، منريد نفهم؟!

يقول الرئيس كما لو كان يتحدث الى نفسه:" هالضو هالضو، كل الناس عم بتشوف الضو! بالحقيقا مسألي غريبي". ثم يوجه كلامه الى رجال الأمن:
– قانون ديرنا، الساعة تسعة بالضبط ، بينطفي كل ضو. هلق الوقت نص ليل. انا مش عارف شي بالمرة عن هالضو العمتحكو عنو.

في هذه الدقيقة بالذات، يشاهد القرويون النور مجدداً، وبحسب الإتفاق، يطلقون عياراً نارياً، فيصرخ المدير:"هادا الشقي". ويتمتم الرئيس:"هي العلامي".

يخرج الجميع مهرولين. ثمة مشهد مذهل ينتظرهم! ها هو النور العجائبي يسطع على قير الأب شربل. يتسمرون جميعهم في اماكنهم مدهوشين! من فم الرئيس تنطلق كلمة تقطع الصمت المخيم على الحاضرين:" ما في شك، شربل قديس، يتمجد اسم الله!

يظن المدير ان هناك سر يجب ان يكتشفه فيسأل:"مينو هالولي المدفون هون؟ فتحو القبر ليش تاركينو تحت التراب"؟

– منتأسف حضرة المدير، ما منقدر نفتح القبر الا بأذن من سيدنا البطرك.

– البطرك؟ عال البطرك صاحبنا. انا رايح بكرا قبل الضو ع بكركي اشرحلو شو شفت.

القبر يفتح لأول مرة

ظهورات النور المتكررة، التي ما امكن تفسيرها بالطرق الطبيعية، وكذلك حماسة المؤمنين التي ربما دفعتهم الى خطف جثمان الأب شربل، اهابت برئيس الدير الى عرض الواقع لرئيس رهبانيته العام الأب يوسف السرعلي ثم لغبطة البطريرك الماروني الياس الحويك والى التماس الإجازة بفتح القبر قانونباً وبنقل رفات القديس الى قبر لائق.

في اول الأمر خشي البطريرك من ان يؤدي اخراج الرفات الى عبادة جمهورية تحظرها قوانين الكنيسة. لذلك رفض اعطاء الإجازة، آمراً بإتخاذ الحيطة اللازمة لمنع تسرب الماء والوحل الى القبر. لكنه لم يلبث ان ارتأى رأياً آخر:" من الأفضل اخراج الرفات للحؤول دون اختطافه والسماح بايداعه تابوتاً محكم الإغلاق يوضع في مكان سري منعاً لكل عبادة جمهورية".

اربعة اشهر ونيف مرت على دفن الأب شربل. يومها استدعي الشهود السبعة الذين كانوا قد دخلوا القبر ومددوا الجثمان على الأخشاب. امامهم فتح القبر طبقاً للأوامر البطريركية، وكان ذلك في 15 نيسان 1899.

ادلى الشهود هؤلاء، بعد تأدية اليمين القانونية امام اللجنة الكنسية، بشهادات فردية على حالة القبر والجثمان واجمعوا على تأكيد ما يلي:

ان ماء المطر المتسرب من السطح الترابي ومن الجدران غير المحكمة الضبط، كان قد غمر المقبرة وجعلها موحلة.

والجثمان كان ممدداً على الأخشاب والبلاس، بينما الماء يتساقط عليه طيلة اربعة اشهر، وبنوع خاص على الوجه المكشوف. مع ذلك، حينما نزعوا العفن الذي كان يغطيه وجدوه سليماً تماماً بجميع اعضائه، كأنه في ساعة وفاته، مرناً، ليناً كالجسم الحي. لم تكن قد سقطت شعرة واحدة من لحيته ولا من رأسه. لقد شهد الأب يوسف يونس بالتالي:

" كانت اليدان ممددتين على الصدر، ممسكتين بالمصلوب ، وكان الجسم طرياً ليناً مرناً، وعلى الوجه واليدين نوعاً من العفن الأبيض كالقطن المندوف، وحينما نزعوا هذا العفن خيل اليهم انهم ازاء رجل نائم. وقد سال من جنبه دم احمر ممزوج بماء."

كتب الأب الياس ابي رميا يقول:" لقد ظل الجسم طرياً مرناً يرشح عرقاً دموياً ولا اثر للبلى فيه كما لو انه كان مدفوناً منذ هنيهة". وقد اكد الواقع شهود كثيرون منهم سابا بو موسى، الأخ بطرس جواد من مشمش، الأخ الياس المهريني، يوسف الياس ابو سليمان، وجورج عمانوئيل.

عرف جميع الحاضرين، دون ان يخالج احدهم شك ان الجثة هي جثة الأب شربل بالذات، فاخرجت من المدفن باحتفال مهيب. اودعت، بعد ان بدلوا ثيابها في تابوت مكشوف وضع في كنيسة الدير حيث بقيت ليل 15 شباط 1899. في الصباح الباكر نقلوا جثمان الأب شربل حسب امر البطريرك لكي يخفوه عن انظار المؤمنين الأتقياء الذين صمموا على اكرامه قديساً، الى مستودع مؤقت اسمه المنبش يقع في الزاوية العليا من جدار الكنيسة الشمالي. هناك كانت تودع الأواني الرثة غير الصالحة للإستعمال في الكنيسة. مخبأ ولا افضل لتضليل المتحمسين. فلم يكن مستطاع الوصول اليه الا صعوداً على سلم حجرية داخل الجدار، في اعلاها باب موصد مغلق. وبات قيم الدير هناك يتخيل ان الجثمان هناك سيجف ويريحه من كل عناء…

العرق العجيب

لم يستمر الجثمان كثيراً في المنبش، اذ غدت تنبعث منه رائحة دموية، من شانها ان تزعج الزوار والرهبان في صلاتهم، كما تنبيء بمكانه وتلفت اليه انظار المؤمنين وهذا ما كان واجباً تلافيه.

كان العرق، وهو مزيج من الدم الأحمر والأبيض، راشحاً من الجثمان لا ينقطع، يسيل على طول السلم الحجرية. هذا الأمر المدهش اوقع الرهبان امام مشكلتين: فمن جهة اخفاء الجثمان للحؤول دون تعبد الجمهور له، ومن جهة ثانية ايقاف الرشح الدموي او على الأقل اخفاؤه. أيبنون للجثمان مدفناً جديداً يوارونه فيه عن الأبصار؟ ولكن عليهم اولاً ايقاف هذا المزيج من العرق والدم، لئلا يكون سبباً لفساد الجثمان. انما ايقافه بات مستحيلاً، سواء على براعة الأب يوسف الكفوري وكيل الدير، او على تفنن الطب الذي راح يبحث عن حلها بالوسائل الطبيعية الأشد غرابة واستهجاناً… .

وعن هذا الموضوع يشهد الأب يوسف كفوري نفسه امام اللجنة الكنسية القانونية في الخامس من تشرين الأول 1926 :

" بعد ثلاثة ايام من وصولي، عمدت الى انزال الجثمان من المنبش ووضعه في قلية شمال الدير. من هناك كنت اصعده ليلاً بمعاونة الأب ايجيديوس التنوري الى السطح وامدده في الهواء الطلق لأجل تجفيف الدم السائل من جنبه وظهره. وكان هذا الدم غزيراً حتى اضطررت الى لف الجثمان بشرشفين وابدالهما كل يوم لسبب تبللهما الزائد بهذا السائل الغريب. كنت ارى الجثمان يرشح عرقاً دامياً من جميع مسامه! واصلت عرض الجثمان في الهواء الطلق مدة اربعة اشهر تقريباً ولكن دون اي تغيير في حالة رشحه ذلك العرق الدامي."

هكذا باءت بالفشل كل حيلة بشرية في اكتناه سر العرق العجيب. ويتابع الأب الكفوري:" وبما انني وجدت بعد اربعة اشهر من عرض الجثمان على السطح، ان شيئاً لم يتبدل في حالته، وان علي كل يوم ابدال ملاءتين مبللتين بالدم، ظننت ان استئصال الإمعاء هو اقرب وسيلة الى النجاح، لذلك كلفت سابا بو موسى بإجراء العملية ففتح بطن الجثمان واستأصل منه المعدة والإمعاء التي كان مظهرها امامنا كمظهر احشاء كائن حي".

هذه العملية الغريبة ايضاً كان نصيبها الفشل، وظل الجثمان يعرق دون انقطاع. وغدا المؤمنون في شهر ايار 1901 وفوداً لزيارة قبر الحبيس طالبين بإلحاح رؤية الجثمان. فلا بد اذن من اجازة السلطة الكنسية للرهبان بوضعه خارج حصن الدير في قاعة الى يمين المدخل الرئيسي تدعى المنزول.

هناك وضعوه واقفاً في خزانة ذات باب من زجاج، فكان الزوار يستطيعون ان يشاهدوه تحت مراقبة الأب الكفوري وانتباهه. ما القصد من هذا الوضع الشاذ: ميت واقف على رجليه؟! كان الأب الكفوري يظن ان السائل يجري هكذا على طول الجثمان فتتلقاه ملاءات خاصة ، وبذلك يتخلص وكيل الدير من تبديل ثياب الحبيس وغسلها رتين في الأسبوع.

انه لوضع مستهجن! فكر الرهبان. فقرروا اعادة الجثمان الى التابوت القديم الذي كان مزمعاً في سنة 1909 ان يبدل بتابوت قدمه الدكتور جورج شكر الله، فظل الجثمان فيه حتى الرابع والعشرين من تموز 1927.

سبعة وعشرون عاماً لم يكف خلالها السائل العجيب!

امر مدهش! راحت تتمتم الشفاه في اديار الرهبانية وفي القرى المجاورة لها، انه حقاً لراهب قديس! وما فتئت جموع الزوار تتوالى طالبة من الله منحاً روحية بشفاعة خادمه القديس، فيمن الله عليهم بها، فذاعت شهرة قداسة الأب شربل وعجائبه في كل لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل