زمن الردع
خلاصة المناقشات التي أثارها بيان "حكومة الهدنة الوطنية" في ساحة النجمة، تبين مدى إصرار نواب "حزب الله" على إخراج الحزب من "التداول" السياسي، ورفعه الى مصاف القداسة لحمايته من المحاكمة والمحاسبة الشعبيتين، يعاونهم في ذلك غطاء "شرعي" هو الدستور اللبناني الذي "يمط" رئيس المجلس صلاحيته فيمنع التهجم على حزب من الاحزاب المعترف بها قانونا، أو نقد أفعاله ولو كانت من أنواع الغزو الانتقامي بمعناه القبلي والعشائري المتخلّف.
تندرج في هذا الاطار المداخلات المقاطعة لنواب الاكثرية كلما كان واحد منهم يأتي على ذكر الحزب المعني. لعل التعبير الذي استخدمه نائب الحزب علي عمار وما أتاه من إساءة لقطع الطريق على محاولة النائب الياس عطا الله إنزال الحزب من علياء القداسة المزعومة الى أرض الواقع اللبناني، حيث استخدم سلاحه في السابع من أيار المنصرم، كان ذروة في الاستماتة لردع الرأي العام اللبناني، بدءا من نوابه، عن رفض الألوهية المدعاة للحزب وجمهوره.
ما جرى في مجلس النواب كان الصورة الأرقى لما جرى على الأرض تحت عنوان الردع نفسه، ولكن بوجه آخر. فقبل أيام من جلسات البيان الوزاري دهم مسلحون ملثمون مقهى في بلدة بشامون، وقد أتوا اليها في سيارات دفع رباعي – أميركية الصنع بالطبع – واعتدوا بالضرب على روادها من أبناء المنطقة وحطموا تجهيزاتها. السبب: ان صاحبها علق صورة للرئيس الشهيد رفيق الحريري؟
فالردع ردعان. واحد موجّه الى العامة من الناس باليد، وواحد الى الخاصة من نواب وسياسيين ومفكرين باللسان، بعدما فشلت محاولات دعوة الجميع الى الايمان بأن "حزب الله" في الداخل هو نفسه المقاومة التي كانت على خط المواجهة مع الاحتلال.
تمتد جذور الردع، بوجهيه، الى اليوم الذي أخرج فيه الحزب جمهوره الى الشارع عام 2006، في فوضى متعمدة ليدعي أنها رد فعل عفوي على تناول برنامج "بس مات وطن" أمينه العام. ثم قرر بعد حرب تموز – وربما معها- أن الأوان قد حان ليثمر في الداخل نجاح المقاومة في وجه الاحتلال، ويجنيه انقلابا على التوازن الوطني الذي أرساه اتفاق الطائف. فكان أن انتهى بعدها الى شطب كل كلامه خلالها على الاحتضان الوطني للنازحين بسببها، وقد فاق عددهم المليون، والى امتشاق سيف التخوين في وجه الأكثرية التي كانت حرصت على العض على جروح جر البلاد الى حرب بلا معنى تسببت في إبكاء 1500 أم، إن لم يكن أكثر، بحجة الرقة أمام دموع أم أسير واحد، نشكر الله أنه عاد الى الوطن ولا يخفي شوقه الى فلسطين التي غادر.
قمة الردع كانت في أيار الفائت في بيروت، حين تحوّل من الكلام الناري الى الاسلحة النارية. ولم يخف الحزب نيته أن تكون العملية "نظيفة وموضعية" كما قال الناطقون بلسانه، حين تنفيذها. وكان الهدف "ردع" أي تفكير في الحد من مشروع الدولة البديل، وردع أي عمل يعزز مشروع الدولة اللبنانية الأصيل، وليس السيطرة المباشرة على العاصمة (أو الجبل أو غيرهما).
وجه آخر للردع المذكور هو التهويل بأن البديل من سيطرة الحزب على البلاد تحت تسمية المقاومة هو "دولة مدينة بـ45 مليار دولار" كما قال رئيس كتلة الحزب النيابية، في استخدام متذاك للغة يضخم الدين ويبرئ حزبه منه، وهو الذي شارك في السلطة في موقع المشرع والرقيب منذ عام 1992، وفي موقع المقرر في الحكومة منذ عام 2005، عدا أنه في موقع فرض الأمر الواقع تحت أنظار عهد الوصاية وإن ضد مصالح اللبنانيين، وفي توقيت خاطئ في أغلب الأحيان.
الردع بوجهيه مستمر، ولو أن ما قاله النائب علي عمار يعكس يأسا من أن يعطي مفاعيله، وهو ما دفع بقائله الى أن يغرف من كلام العوام والرعاع ما لا يليق بمقامه ومقام من يمثل، تماما كما استمرار الملثمين في اصطياد المواطنين الذين تجرأوا خلال غزوة أيار على الذود عن بيوتهم وحرمتها، مما يجعل السؤال منطقيا عما قصده النائب نفسه في القول قبل مدة أن حزبه "غير آدمي". فهل كان يقصد المعنى الاخلاقي للكلمة، أم التمييز بين الالهي والبشري؟
لا يوحي الردع، بوجهيه، حتى الآن، أنه من إشارات القداسة، لا في الاعتداء بالالفاظ ولا بالاعتداء بالاسلحة، وفي الحالين على الحريات.
