مــــــا هــــــذا؟
من باب التنبيه والحرص على استدراك الامور، لا من باب صبّ الزيت على النار، أو تنقيز الناس، أو تنغيص المهرجانات الصيفيّة المزغردة من فقش الموج لمرمى الثلج.
اذا كانت الأفعال بالنيّات، فالنيّات تكاد تقول، كالمريب، خذوني.
واذا كانت الازمات والخلافات اللبنانيَّة قد خُتمت بالشمع الأحمر في مؤتمر الدوحة، فلا بدَّ ان تكون قد خُتمت على زَغل، وعلى زَعل، وعلى شكوك وضغائن لا حصر لها.
ووقائع جلسات مناقشة البيان الوزاري مستعدَّة للادلاء بشهادتها أمام المرجعيات العربيَّة والدولية والكونية، وأمام أي مرجعية محليَّة. وفي أي لحظة.
وما سمعه الناس وشاهدوه مباشرة من داخل قاعة الجلسات، أكدّ ان المهاترات الكلاميَّة بلغت حداً تفوَّق بأضراره على كل ما عداه وسبقه من أحداث وحوادث.
مثلما أوحت الحدَّة في الردود ان المتاريس قد أزيلت من الساحات والشوارع، الا انها لا تزال مقيمة في النفوس. ولا تزال الضغائن والاحقاد تعتمل في الصدور، وكأنها تؤجِّل انفجارها الجديد الى موعد ليس ببعيد.
والطريقة الاستفزازيَّة التي لجأ اليها البعض في معرض الرد على هذا النائب أو ذاك، قالت بصوت عالِ إن ما في النفوس يختلف كليّا عما ورد في النصوص.
والاستنتاج في محله. فالمهاترات التي ارتجَّت لها القاعة وضجَّ بها الحضور، قالت بصوت مرتفع ان المشككين بالهدنة الصيفية، أو "الاستراحة" السياحيَّة يتمسَّكون بآرائهم لهذه الناحية.
حتى الرئيس نبيه بري بدا أحياناً كأنه فوجىء، أو أُربك، أو أُسقط في يده، أزاء ردود فعل هذا النائب أو زئير ذاك الغاضب.
وربما قال في نفسه: ما هذا؟
وكأن قاعة الجلسات في مجلس النواب قد أخذت على خاطرها مما يجري ويحل، فتاقت الى زمن مضى، زمن الرقي والعز، كانت المناقشات النيابيَّة خلاله تشبه المنازلات الشعرية، أو المسرحيات الشكسبيريَّة… فاذا بها اليوم تغدو ساحة مشاغبات وقدح وذم.
هذا يعني في أبسط ما يعنيه ان الدمَّل اللبناني، المزمن، لم يُفقأ بعد.
فمن أولويّات طاولة الحوار التي ستجمع شمل المتفرّقين في قصر بعبدا دعوة الذين سيتحلقون حولها الى أن يبقوا كل ما في أفواههم وصدورهم من بحص، وشكوك، ومخاوف، ومطالب، وسواها…
وليكن الحوار حواراً من أجل استقطاب كل الفئات والاتجاهات حول الدولة اللبنانية، والتسليم بأن لبنان وطن نهائي حقاً وفعلاً لكل قبائله وطوائفه وشعوبه، ولا مكان لدولة فيه الا للدولة اللبنانيَّة. ولا سلاح الا السلاح الشرعي. ولا جيش الا الجيش النظامي. ولا ابناء ست يتغطرسون على ابناء جارية.
هذه الشواذات المستمرة تستفز الآخرين وتستنفرهم.