هدنة سطحية ومؤقتة؟

حجم الخط

هدنة سطحية ومؤقتة؟

غريبة الدهشة التي يبديها المسؤولون في "حزب ولاية الفقيه" حيال الانتقادات التي يسمعونها في جلسات مجلس النواب المخصصة لمناقشة البيان الوزاري. وغريبة ردود فعل رئيس المجلس نبيه بري على الانتقادات التي تعتبر عن حق ان سلاح الحزب المذكور قد انغمس في لعبة الدم الداخلية ( مثل سلاح حركته ايضا)، فصار في نظر ملايين اللبنانيين حالة عدوانية موصوفة. فهل كان كلا الحزب والرئيس بري يأمل في غير ذلك التعبير الذي بالكاد يفي بجزء مما يعتمل في صدور الناس ازاء من تحول بسلاحه نحو صدور اللبنانيين، وكان ولا يزال يعمل بلا هوادة على كسر الارادة الاستقلالية بكل الوسائل ولا سيما بالترويع والترهيب المنظم المتنقل من منطقة الى اخرى؟

بداية، ولكي لا يغيب شيء عن بال الحزب المشار اليه، ولا عن بال دولة الرئيس نبيه بري، فإن حقيقة يجدر التذكير بها هي ان بيروت العاصمة لا تزال حتى اللحظة مدينة محتلة، والسلاح والمسلحون منتشرون في كل مكان في الاحياء، والناس يعرفون انه، ويا للأسف، لا يمكن الركون في امنهم الفعلي الى القوى الامنية ولا الى الجيش اللذين يؤديان دور المندوب الاحصائي في احسن الاحوال!

حقيقة اخرى لا بد من التذكير بها، هي انه بدل ان يتراجع التسليح المنظم في المناطق فضلا عن التغلغل المليشيوي بين القرى والبلدات المنتمية الى بيئات مختلفة، وعلى المرتفعات البعيدة كل البعد عن الحدود مع اسرائيل، فإنه اخذ يتسع بشكل مطرد، ولن تمر اشهر إلا يكون لـ"حزب ولاية الفقيه" اختراقات خطيرة في كل مناطق جبل لبنان والبقاعين الغربي والاوسط، وحتى الشمال. وهذا ما ينبغي الالتفات اليه جدياً وعدم التلهي بخطاب التكاذب المتبادل. فـ"المقاومة" في نظر كثيرين ليست مقاومة، وانما تمثل تهديدا صريحا لحياتهم ومستقبلهم على ارض هذا الوطن.

حقيقة ثالثة نذكّر بها كبار المسؤولين، ولا سيما الرئيس ميشال سليمان الذاهب غدا الى دمشق في اول قمة لبنانية – سورية منذ الاستقلال الثاني عام 2005، هي ان العلاقات بين لبنان والقيادة السورية مثقلة بالعديد من الملفات الخلافية، ولا يكفي ان يميل رئيس الجمهورية الى ابقاء المجلس الاعلى السوري – اللبناني كي يثبت لمضيفيه حسن النيات اللبنانية. فتلك القيادة محمولة بإرث تاريخي ثقيل، وبعقد اكثر ثقلا لا تكتفي بالمعسول من الكلام الذي يمكن ان يتفوه به اي مسؤول لبناني. وبالتالي فإن إبقاء المجلس الاعلى انما يشكل من زاويتها جزءا من السياسات التدخلية لا جزءا من العلاقات الطبيعية التي يمكن ان تنشأ بين مطلق اي بلدين جارين على وجه الارض. ونحن نرى ان على لبنان طلب إلغاء المجلس الاعلى لكي يكون الفعل رمزا للبنان جديد لا ان يكون عهد ما بعد الاستقلال، وإن مثخنا بالجروح، شبيها بما كان قبله. وهنا كان يفترض بالرئيس ميشال سليمان قبل ان يتخذ موقفا حاسما من موضوع المجلس الاعلى، ان ينتظر مواقف القوى السياسية في البلاد، حتى إذا ما رفض تابعو المحور الايراني – السوري إلغاء المجلس وعطلوا قرارا بهذا المعنى، كان قرار وسط بتجميد المجلس ريثما يحصل توافق لبناني – لبناني حول القضية. اما الاهم في موضوع العلاقات بين لبنان وسوريا النظام الراهن فيكمن في الاجابة عن السؤال الآتي: كيف يمكن وقف التدخلات السورية في الحياة اللبنانية؟

بين "مقاومة" بات همّ غالبية لبنانية سبل مقاومتها، وجار متعب مثقل بالعقد القديمة والمستجدة، تبقى التهدئة افضل الممكن، لكنها تبقى سطحية وموقتة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل