بين التذمّر والكآبة
لا يستطيع المتابع لنقاشات البيان الوزاري أن يملك نفسه وأعصابه، فيسخط أو يكتئب. ذلك انّ التحزب الحقيقي أو المصطنع هو الذي سيطر على كل المناقشات، رغم ان الحكومة هي حكومة الوحدة الوطنية، ان أي انّ سائر الكتل النيابية مشاركة فيها. أما موضوعات الجدال فتعود في معظمها إلى السنوات الثلاث الماضية. وهي تتمحور بحسب الأهمية على خمسة موضوعات: سلاح حزب الله ووظائفه في الدفاع عن لبنان في وجه إسرائيل، وسلاح حزب الله واستخداماته الداخلية والجديدة، والعلاقات بالدول والمحاور العربية والاقليمية والعالمية، والفساد في إدارة الدولة وكيف يمكن إصلاحه، والأجواء الاقليمية والدولية المحيطة بالمنطقة وبلبنان.
في النقطة الأولى، ما يزال الحزب وأنصاره مصرّين على استمرار المقاومة بجيشها وسلاحها في استقلالٍ عن الدولة وقراراتها. وإذا قيل لهم ان المقاومة من الجنوب ما عادت ممكنة بعد القرار رقم 1701، أجابوا بأنّ ذلك ممكن وقد كان حتى الآن من دون مشكلات. ولن "يتناقض" حزب الله مع القرارات الدولية علناً إلا إذا نشب نزاع مسلحٌ بين ايران وإسرائيل أو أميركا. عندها قال حزب الله، وقال الايرانيون انه سيتدخل لحماية ومساعدة الجمهورية الإسلامية! وهكذا فوضع السلاح الآن هو وضع التربص، بانتظار التطورات بين الغرب وإيران وهي والحق يقال تطورات غير واعدة في المدى القريب على الأقل!
ونأتي إلى النقطة الثانية، وهي سلاح الحزب ووظائفه الجديدة. بعض نواب المستقبل و14 آذار، هاجموا الحزب وحلفاءه لدخولهم إلى بيروت بالسلاح. وقد جاء في البيان الوزاري، كما في بياني بيروت والدوحة، تحريم لاستعمال السلاح بالداخل لأي سبب كان! لكن حلفاء الحزب (وهم يظهرون حماساً أكثر من قادته أحياناً!) قالوا بلسان واحد تقريباً إن الحزب وحلفاءه إنما تدخلوا للدفاع عن أنفسهم(!)، وإنهم لن يعودوا لذلك إلا إذا اقتضت الضرورة! والذي أراه ان سلاح الحزب ما عادت له مهمة غير التربص والانتظار وإسرائيل تضيف لذلك مهمة أخرى هي الانتقام لمقتل عماد مغنية. وهذا الأمر له تأثيراته الاعتزازية لدى كثرة ساحقة من الطائفة الشيعية، وتأثيراته السلبية المتفاوتة لدى الطوائف الأخرى. وهكذا فالأسباب الاقليمية لا تنفرد بإمكان إثارة نزاعات بالداخل أو مع إسرائيل، يكون فيها سلاح الحزب طرفاً رئيسياً؟ بل ان حاجة الحزب لاثبات تفوّقه للطائفة وللخصوم، ستدفعه دوماً (مثل حماس) لشنّ الغارات أو القيام بأعمال لها طابع عسكري أو أمني لافت، إثباتاً للتفوّق، ولإرعاب الخصوم.
وهناك وظيفة جديدة أخرى لسلاح الحزب، أكثر من الحديث عنها في المدة الأخيرة الجنرال عون، وهي ان سلاح الحزب ينبغي أن يبقى لمنع التوطين. ولست أدري كيف يكون ذلك، هل بطرد الفلسطينيين براً أو بحراً بالقوة؟ الجنرال عون نفى في رد على النائب وليد جنبلاط أن يكون ذلك قصده! فهل يكون بإرغام إسرائيل على قبول عودتهم! وهذا الإرغام غير ممكن إلا إذا هُزمت الدولة العبرية هزيمة ساحقة، وما عادت تستطيع منع الناس من اختراق حدودها البرية والبحرية! وبالنظر لزوال هذين الاحتمالين، يكون كلام الجنرال مقصوداً به التوتير والاستنزاف، وإيقاظ مخاوف المسيحيين من "الغرباء" على مشارف الحملة الانتخابية. لكن الطريف أن الجنرال والحزب هما اللذان يتهمان مسيحيي 14 آذار بإثارة مسألة السلاح لدى الحزب، من أجل الانتخابات، وحجتهم في ذلك إصرار نسيب لحود وزملائه على أن يكون كنف الدولة هو الحاضن، وصاحب القرار. وهكذا فسلاح الحزب باق رغم تسببه بمخاطر خارجية، وفتن داخلية.
والواقع ان الموضوع الثالث، وهو العلاقة بالمحاور، صار متصلاً أكثر من السابق بالموضوعين السابقين. فبعد ابتعاد الحزب عن الحدود، ما عادت لسلاحه غير وظيفتين: خدمة الجمهورية الإسلامية، والسطوة الداخلية على الفرقاء المخاصمين أو المختلفين معه. والأمر نفسه بالنسبة لسوريا، أي المصالح البحتة المتعلقة بالنظام والنظام وحده، مثل المحكمة، ومثل تطور العلاقات مع إيران ومع تركيا وإسرائيل ـ والتوتر مع المملكة العربية السعودية، واتجاه سوريا للانفصال بأنصارها عن حزب الله بالتدريح.. الخ. والطريف ان أنصار سوريا والحزب هم الذين تحدثوا عن الدولة الحديثة، التي ينبغي أن تقوم بلبنان، وعن الفساد المستشري وتعذر الاصلاح. وقد كان عليهم وهم يتخذون من النظام السوري والنظام الايراني نموذجاً، أن يوضحوا لمستمعيهم ما هي البدائل التي يقترحونها. فالنظام اللبناني نظام ضعف وتوتر وتوتير، وإلا لما سمح للحزبيات المسلحة بالسيطرة على مساحات واسعة من لبنان، ومن بينها مدينة بيروت! لكن هل نستبدل به نموذجاً ايرانياً أم سورياً؟
المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
كان أمل رئيس الوزراء اللبناني أن تشكل حكومة الوحدة الوطنية (أو كما سمّاها البيان الوزاري: حكومة الإرادة الوطنية الجامعة)، مرحلة جديدة في حياة البلاد السياسية والوطنية. لكن مناقشات النواب أوضحت بما لم يدع مجالاً للشك ان المرحلة السابقة مستمرة، ليس في الوعي فقط، بل وفي التصرف أيضاً. فهل يلام المواطن الذي ييأس أو يتذمر؟!
