لبنان: «التعايش القسري» واستقالة الحسيني
عمد الرئيس اللبناني ميشال سليمان، منذ أن أعلن موعد زيارته الأولى لدمشق كرئيس للجمهورية، الى استطلاع آراء الاطراف السياسيين اللبنانيين في الملفات التي يمكن ان يبحث فيها مع الرئيس بشار الاسد، وعن المخارج للمشكلات العالقة بين البلدين.
ومع توجه الرئيس سليمان إلى دمشق، أمامه مشروعان يحدد كل منهما أساس المناقشات ومنهجيتها. رؤية حكومة الوحدة الوطنية، أو قل «حكومة التعايش القسري الوطني»، التي نالت امس ثقة المجلس النيابي بغالبية ساحقة. ورؤية رئيس المجلس النيابي السابق حسين الحسيني الذي أنهى مناقشته للبيان الحكومي، بإعلان استقالته من البرلمان.
البيان الحكومي الذي تم التوصل إليه، بعد عملية قيصرية وبشق النفس، سعى الى صياغات يجد فيها كل من طرفي «التعايش القسري» حصته، في انتظار الانتخابات النيابية المقبلة. وحتى هذه الصياغات التلفيقية لم تنقذ مجلس النواب، المؤسسة الأم في النظام اللبناني، من سجالات شارعية لم تصل الى التشابك بالأيدي أو اطلاق النار الاّ لأن الجميع يعرف ان عليه في النهاية ان يعطي الثقة، لأن «البرنامج» يقضي بتشكيل الحكومة من اجل إتمام زيارة دمشق.
أي ان حكومة الوحدة الوطنية، وقبلها انتخاب الرئيس، جاءت في اطار ضرورات سياسة «الانفتاح» التي قررتها سورية اخيرا وفرضتها على حلفائها اللبنانيين، وليس في اطار حاجة لبنان الى تأسيس مرحلة سياسية جديدة تعالج جذور الانقسام الذي تبدت صوره في العامين الماضيين. وفي هذا المعنى، ليس البيان الحكومي عقداً مؤسساً، كما كان بيان رياض الصلح بعد الاستقلال، وانما يؤدي وظيفة ظرفية بالضرورة، ما دامت حكومة الوحدة الوطنية مرتبطة، نشأة ومآلاً، بضرورات تتجاوز الداخل اللبناني.
مثل هذه المنهجية تضع المحادثات اللبنانية – السورية في إطار ظرفي. وبغض النظر عن جدول الاعمال المثقل، أصلا، بقضايا معقدة ومتشابكة، فإن الحل لأي منها سيخضع بدوره للمعطيات الظرفية وميزان القوى. ولذلك ستكون الحلول تلفيقية، وذات صياغات قابلة لتفسيرات متناقضة. والمثال البارز ما يتردد عن إقامة علاقات ديبلوماسية وتبادل السفراء في الوقت الذي يجري التمسك فيه بالمجلس الأعلى اللبناني – السوري. اذ ان كلا من العلاقات الديبلوماسية والمجلس الأعلى ينطلق من أسس مختلفة ووظيفة مختلفة ورؤية مستقبلية مختلفة وادارة مختلفة لها.
اما الرؤية التي تحدّث عنها حسين الحسيني فتناولت معنى الدولة والاصلاحات المطلوبة متوقفا عند موقف المسلمين الشيعة والمسلمين عموماً من لبنان الوطن والدولة، وعارضاً عوامل العجز عن تنفيذ ما يضمن الحرية والكرامة، ومنتهياً الى اعلان استقالته من المجلس النيابي، بعدما استنتج ان الحلول التي كانت تلفق، بعد كل ازمة، انتجت بدورها ازمات جديدة. لكن المهم في مطالعته هو معنى الوطن والدولة والانتماء العربي، على نحو يتضمن نقدا عميقا لممارسات الاطراف اللبنانيين، بانتماءاتهم المختلفة، لعجزهم عن القدرة على الانتماء الى الدولة الواحدة والوطن الواحد. وفي هذا النقد دعوة الى إعادة النظر في السياسات والمواقف الحالية للأطراف التي تتواجه طائفيا ومذهبيا، في السياسة وفي الشارع.
ومع إعادة الاعتبار الى مسلّمة اولوية الدولة ورأسها رئيس الجمهورية، وتحديد مصلحة الوطن، بما هو مساحة العيش المشترك والحر لجميع ابنائه، تتغير منهجية الحوار مع سورية، او غيرها من الدول. فما يمكن ان يُتوافق عليه لا يكون خدمة لطرف داخلي من دون آخر، وما يمكن ان يُختلف عليه لا يعني هزيمة لطرف داخلي. بمعنى آخر، تخرج العلاقات اللبنانية – السورية من الضرورات الظرفية ومتغيرات السياسة الى علاقة بين دولة ودولة.
